حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا
أي هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين ، يعني على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردوهم إلى الكفر ، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل :
وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا
قال : كفار قريش . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ . . .
هُمْ فِيها خالِدُونَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
من يرجع منكم عن دينه ، كما قال جل ثناؤه :
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً
يعني بقوله : فارتدا : رجعا . ومن ذلك قيل : استرد فلان حقه من فلان ، إذا استرجعه منه . وإنما أظهر التضعيف في قوله :
يَرْتَدِدْ
لأَن لام الفعل ساكنة بالجزم ، وإذا سكنت فالقياس ترك التضعيف ، وقد تضعف وتدغم وهي ساكنة بناء على التثنية والجمع . وقوله :
فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ
يقول : من يرجع عن دينه ، دين الإِسلام ، فيمت وهو كافر ، فيمت قبل أن يتوب من كفره ، فهم الذين حبطت أعمالهم يعني بقوله :
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
بطلت وذهبت ، وبطولها : ذهاب ثوابها ، وبطول الأَجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة . وقوله :
وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
يعني الذين ارتدوا عن دينهم فماتوا على كفرهم ، هم أهل النار المخلدون فيها . وإنما جعلهم أهلها لأَنهم لا يخرجون منها ، فهم سكانها المقيمون فيها ، كما يقال : هؤلاء أهل محلة كذا ، يعني سكانها المقيمون فيها ويعني بقوله :
هُمْ فِيها خالِدُونَ
هم فيها لابثون لبثا من غير أمد ولا نهاية . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يعني بذلك جل ذكره : أن الذين صدقوا بالله وبرسوله ، وبما جاء به . وبقوله :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا
الذين هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم ، ومجاورتهم في ديارهم ، فتحولوا عنهم ، وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها ، هجرة لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه . وأصل المهاجرة المفاعلة ، من هجرة الرجل الرجل للشحناء تكون بينهما ، ثم تستعمل في كل من هجر شيئا لأَمر كرهه منه . وإنما سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين لما وصفنا من هجرتهم دورهم ومنازلهم ، كراهة منهم النزول بين أظهر المشركين وفي سلطانهم ، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم إلى الموضع الذي يأمنون ذلك . وأما قوله :
وَجاهَدُوا
فإنه يعني : وقاتلوا وحاربوا وأصل المجاهدة المفاعلة ، من قول الرجل : قد جهد فلان فلانا على كذا ، إذا كربه وشق عليه يجهده جهدا . فإذا كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة ، قيل : فلان يجاهد فلانا ، يعني أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه ، فهو يجاهده مجاهدة وجهادا وأما سبيل الله : فطريقه ودينه . فمعنى قوله إذا
وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
والذين تحولوا من سلطان أهل الشرك هجرة لهم ، وخوف فتنتهم على أديانهم ، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه ، وفيما يرضي الله ،
أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ
أي يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم
وَاللَّهُ غَفُورٌ
أي ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها ، متفضل عليهم بالرحمة .
وهذه الآية أيضا ذكر أنها نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه أنه حدثه رجل ، عن أبي السوار يحدثه ، عن جندب بن عبد الله قال : لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه ، وأمر ابن الحضرمي ما كان قال بعض المسلمين إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم ، أظنه قال : وزرا ، فليس لهم فيه أجر ، فأنزل الله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني الزهري ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : أنزل الله عز وجل القرآن بما أنزل من الأَمر ، وفرج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه ، يعني في قتلهم ابن الحضرمي ، فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القران ، طعموا في الأَجر ، فقالوا : يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطي فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عز وجل فيهم :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ