عنه " . وزعم أن " فعل ويفعل " قد تشترك في معنى واحد ، واستشهد على ذلك بقول الشاعر :
وإني لآتيكم تشكر ما مضى * من الأَمر واستيجاب ما كان في غد
يعني بذلك : ما يكون في غد . وبقول الحطيئة :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * أن الوليد أحق بالعذر
يعني : يشهد . وكما قال الآخر :
فما أضحي ولا أمسيت إلا * أراني منكم في كوفان
فقال : أضحي ، ثم قال : ولا أمسيت . وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما قيل :
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ
فخاطبهم بالمستقبل من الفعل ومعناه الماضي ، كما يعنف الرجل الرجل على ما سلف منه من فعل ، فيقول له : ويحك لم تكذب ولم تبغض نفسك إلى الناس ؟ كما قال الشاعر :
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * ولم تجدي من أن تقري به بدا
فالجزاء للمستقبل ، والولادة كلها قد مضت ؛ وذلك أن المعنى معروف ، فجاز ذلك . قال : ومثله في الكلام إذا نظرت في سيرة عمر لم تجده يسيء ، المعنى : لم تجده أساء ، فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه لم يقع في الوهم أنه مستقبل ، فلذلك صلحت من قبل مع قوله :
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ
. قال : وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة ، إنما قتل الأَنبياء أسلافهم الذين مضوا ، فتولوهم صلى الله عليه وسلم على ذلك ورضوا فنسب القتل إليهم . والصواب فيه من القول عندنا أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل ، بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور ، بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم ، وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه ، وارتكابهم معاصيه ، واجترائهم عليه وعلى أنبيائه ، وأضاف ذلك إلى المخاطبين به ؛ نظير قول العرب بعضها لبعض : فعلنا بكم يوم كذا كذا وكذا ، وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا ، على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا ؛ يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم . فكذلك ذلك في قوله :
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ
إذ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن فعل السالفين منهم على نحو الذي بينا ، جاز أن يقال من قبل إذ كان معناه : قل فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل ؟ وكان معلوما بأن قوله :
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ
إنما هو خبر عن فعل سلفهم .
وتأويل قوله :
مِنْ قَبْلُ
أي من قبل اليوم . أما قوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
فإنه يعني إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم كما زعمتم . وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم ، إن كانوا وكنتم كما تزعمون أيها اليهود مؤمنين . وإنما عيرهم جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبياءه عند قولهم حين قيل لهم :
آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا
لأَنهم كانوا لأَوائلهم الذين تولوا قتل أنبياء الله مع قيلهم :
نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا
متولين ، وبفعلهم راضين ، فقال لهم : إن كنتم كما تزعمون مؤمنين بما أنزل عليكم ، فلم تتولون قتلة أنبياء الله ؟ أي ترضون أفعالهم .