ينبغي أن لا يتوهم أن المقصود من صغرالعمل « من حيث مقدارالزمان » لأن الأعمال والذنوب الداعية إلى خلود الإنسان في العذاب ليست صغيرة من حيث الأهميّة والكيفيّة .
فعلى هذا حين يحيط الذنب والكفر والطغيان والعناد بوجود الإنسان ويحرق جميع أجنحته وريشه وروحه في نار ظلمه ونفاقه ، فأىّ مكان للعجب أن يحرم في الدار الآخرة من التحليق في سماء الجنة وأن يكون مبتلى هناك بالعذاب والبلاء . ترى أما حذروه وأبلغوه وأنذروه من هذا الخطر الكبير ؟ !
أجل فأنبياء الله من جهة ، وما يأمره العقل من جهة أخرى جميعاً حذّروه بما يلزم ، فهل كان ما أقدم عليه من دون اختياره فلقي هذا المصير ، أم كان عن علم وعمد واختيار ؟ الحقيقة هو أنه كان عالماً عامداً ، وكانت نفسه ونتيجة أعماله المباشرة قد ساقته إلى هذا المصير ؟ ! بل إنّ كلّ ما حدث له فهو من آثار أعماله !
فلهذا لم يبق مجال للشّكوى ، ولا ايراد أو اشكال مع أحد ، ولا منافاة مع قانون عدالة الله سبحانه .
يورد عليه وجهان :
الأول : أن في مقابل تلك الآيات ، آيات كثيرة تدلّ على أن الأعمال أسباب يترتب عليها العقاب والعذاب بإرادة الله وهما ليسا من آثار المعاصي ( من الكفر والفسق ) كاستناد مرض إلى المأكول والمشروب ، أو كاستناد السلامة الجسمانية إلى أكل الدواء وشربه واستناد الشبع والتروّي إلى الأكل والشرب ، ويدلّ عليه لو كان ترتب العقاب على الكفر مثلًا كترتب المعلول على علته التامة أو ما يشبهه كما في تجسّم العمل ، لم يفرق في وصول العقاب بين المعاند أو المقصر وبين القاصر كما يظهر جلياً بأدنى نظر في الأمثلة الثلاثة التي ذكرها في كلامه .