تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
لا يقال : هذا التقريب إنّما يصحّ إذا كانت لإبراهيم ذريّة موجودة حين السؤال ، ومن الجائز عدم وجودها بعد ، فهو سأل الإمامة لذريّته الآتية بلا التفات إلى تلك الحالات الثلاث . فإنّا نقول : العاقل لا يطلب شيئاً جزميّاً منجزّاً للمعدوم وهذا واضح . فإن قلت : نعم ، الذريّة كانت معدومة لكنّها معلوم وجودها لإبراهيم ( ع ) فهو إنّما سأل الإمامة لها لعلمه بوجودها فيما بعد . قلت : علمه بذلك ممنوع ؛ والدليل عليه قوله تعالى :
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
« 1 » ؟ ولو كان له علم به لم يتعجّب من البشارة المذكورة ، على أنّ نفس سؤاله ( ع ) أعني قوله :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
ظاهر في وجود ذريّته حين السؤال . ثمّ أعلم أنّ الدليل لا يشمل جميع الأنبياء ، بل يخصّ الأئمة وحدهم ، سواء كان الإمام نبيّاً أيضاً كإبراهيم الخليل نفسه ، ونبيّنا الخاتم ( ص ) وغيرها أم لم يكن كالأوصياء من آل محمد ( ص ) فإنّ المراد بالعهد هو عهد الإمامة التي أعطاها الله لخليله بعد إتمامه الكلمات ، ولا يمكن أن يراد بالإمامة النبوّة والرسالة ؛ فإنّها أعطيت له في كبر السن وبعد تولّد أولاده
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ )
« 2 » ومن المقطوع أنّ إبراهيم ( ع ) كان قبل وجود ذريّته وكبر سنّه نبيّاً مرسلًا ، وهذا واضح . والآية الكريمة أيضاً تدلّ على المغايرة ؛ فإنّ قوله :
( إِماماً )
، مفعول ثان للفظة الجاعل ، فهي بمعنى الاستقبال ، فمعنى الآية إنّي سأجعلك إماماً بعد ذلك ، والمفروض أنّه كان نبيّاً حين هذا الخطاب ؛ إذ لا يخاطب الله أصلًا أحداً بعينه من البشر غير الرسل والنبيّين ( عليهم السلام ) ، فافهم واستقم . وعلى ضوء ذلك ينقدح أفضليّة مقام الإمامة من النبوّة والرسالة فإنّها أعطاها الله لخليله بعد كونه نبيّاً رسولًا ، بل في الروايات أنّها بعد الخلّة أيضاً . لكنّ القدر المتيقن من دلالة الآية الكريمة هو اشتراط العدالة في الإمام من أوّل عمره إلى آخره ؛ إذ العدالة تكفي لأن يصدق عليه أنّه غير ظالم ؛ ولذا لا يصدق على الأخيار وأفاضل العلماء الأبرار أنّهم ظالمون صدقاً عرفيّاً وكلام الله أيضاً منزّل على فهمهم ، إلّا أن يقال إنّ
هامش
( 1 ) - الحجر 15 / 51 - 54 . ( 2 ) - إبراهيم 14 / 39 .