التسديد في بيان الشرعيات ليبلغها إلى الناس على ما هي عليه .
فهذان الدليلان ينفيان مطلق السهو والنسيان عن النبيّ الأعظم ( ص ) بل الثاني يجري في حقّ الأئمة ( عليهم السلام ) أيضاً ، فلا يتطرّق إلى النبيّ وأوصيائه احتمال السهو ولو نادراً .
وأمّا عصمته من الظلم من أوّل عمره إلى آخره فهي ثابتة بقوله تعالى مخاطباً لإبراهيم الخليل ( ع ) :
( قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )
« 1 » .
بيان ذلك : أنّ ذرية إبراهيم ( ع ) المسؤولة لهم الإمامة إمّا لم يتّصفوا بالظلم من أوّل عمرهم إلى حين السؤال ، أو اتّصفوا به لكنّهم رجعوا عنه بعد ذلك وتابوا فأصلح حالهم ، أو لم يرجعوا عن ظلمهم وكانوا حين السؤال أيضاً ظالمين ، وهذه ثلاثة احتمالات .
لكنّ الاحتمال الأخير باطل قطعاً ؛ لأنّ مثل إبراهيم الخليل ( ع ) لا يسأل الله عن إعطاء مرتبة الإمامة للمتلبّس بالظلم فعلًا « 2 » وهو يعلم أنّها فوق النبوّة والرسالة ، وأنّه ما أوتي إلّا عبد نبوّته ورسالته وبعد ابتلائه بكلمات أتّمهن ، وهذا فليكن قطعيّاً مفروغاً عنه . وعليه فالذريّة المذكورة كانت غير ظالمة حين السؤال ، بل صالحة سواء كان صلاحهم من أوّل أمرهم أو بعده قبل السؤال ، وقوله تعالى :
( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )
« 3 » ينفي الإمامة عمّن تلبس بالظلم ولو تاب عنه وصلح حين السؤال ؛ إذ لا شكّ أنّه ردّ على سؤال الخليل وعدم قبوله بحدّه ، بل هو تخصيص بغير الظالم ، وقد عرفت أنّ الظالم حين السؤال لم يكن مراداً لإبراهيم ( ع ) ولا داخلًا في سؤاله حتّى يتوجّه الردّ إليه ، فلا محالة ينحصر الردّ بالظالم قبل السؤال وإن كان عادلًا حينه ، فتخصّ الإمامة بمن لم يتلبّس بالظلم من أوّل عمره أصلًا « 4 » .
هامش
( 1 ) - البقرة 2 / 124 .
( 2 ) - ولعلّ هذا هو السرّ في تعبيره : ومن ذرّيتي عوض أن يقول ( ع ) وذرّيتي .
( 3 ) - البقرة 2 / 124 .
( 4 ) - وهذا التقريب أجنبي عمّا ذكره جمع من أصحابنا الأصوليين من وضع المشتق للأعم من المتلبّس . وممّا أفاده المحقّق الهروي في « كفاية الأصول » وتبعه جمع من الأكابر منهم سيدنا الأستاذ العبقري في مجلس درسه - خارج الأصول - فإنّ الأوّل غلط ، والثاني خطابي محض فلاحظ ، وتفصيل المقال في حواشينا على « كفاية الأصول » .