المبحث العاشر : في عصمة النبيّ الخاتم ( ص )
أمّا العصمة عن الكذب في مقام التبليغ والسهو الكثير فيه فهو لازم نفس المنصب كما مرّ .
وأمّا العصمة عن مطلق السهو والنسيان في بيان الأحكام الشرعية والأصول الاعتقاديّة ، بل وعن كلّ ما يخبر عن الله تعالى فهي لقوله تعالى :
( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى )
« 1 » فإنّ الآية الشريفة تحصر نطقه بالوحي ، فلا يسهو في كلامه وإخباره وإلّا كان خلاف الوحي ، وهذا ظاهر .
فإن قيل : نفي السهو غير ممكن بالنقل لاحتمال السهو فيه أيضاً .
قلنا : هذا الاحتمال باطل ؛ فإنّ الآية مكّية .
وكان المسلمون يقرؤونها وربّما في محضر النبيّ الأكرم ( ص ) فلا يعقل عدم التفاته في تلك المدّة الكثيرة التي ربّما تبلغ عشرين عاماً إلى سهوه ، وهذا ظاهر « 2 » .
ويدلّ عليه أيضاً الروايات الدالّة على أنّ روح القدس - وهو خلق أعظم من جبرئيل - كان مع النبيّ ( ص ) ثمّ مع الأئمة ( عليهم السلام ) وهي أكثر من خمسين رواية أكثرها في « بصائر الدرجات » للصفّار « 3 » ، وفي عشرين منها أنّه يسدّدهم ويؤيّدهم ، ولا شكّ أنّ من هذا التسديد والتأييد
هامش
( 1 ) - النجم 53 / 3 - 4 .
( 2 ) - وأمّا قوله تعالى :سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُالأعلى 87 / 6 ، فالصحيح أنّه إخبار عن عدم وقوع النسيان منه في أمر القرآن كما هو القدر المتيقّن ، أو في جميع ما يتلقى من ربّه كما هو قضية إطلاق اللفظ ، وما تخيل من أنّ قوله : ( فلا تنسى ) ، نهي والألف زائد . باطل خلاف الظاهر جداً فلا عبرة به . وأمّا قوله تعالى :إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ. ففيه خلاف عجيب بين المفسّرين ، ولعلّ قوله تعالى :ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِهاالبقرة 2 / 106 . يفسّر هذا الاستثناء بعض التفسير . والآية لا تخلو عن تجويز النساء عليه كما ذهب إليه الصدوق وشيخه ابن الوليد ولا بأس به كما يأتي تفصيله .
( 3 ) - لاحظ البحار 7 / 191 . أقول : لكن نسبة كتاب البصائر الموجود إلى الصفار لم تثبت عندي ، كما أنّه لا دليل على وصول نسخة منه بطريق معنعنة متصلة عن ثقة عن ثقة إلى العلامة المجلسي والمحدث الحر وأمثالهما رضي الله عنهما . وهذا بحث مهم طويل لم يلتفت إليه الباحثون حسب اطلاعي ، وتفصيل ذلك مسطور في كتابنا بحوث في علم الرجال ( الطبعة الرابعة ) وثمرة هذا البحث يظهر في مقصد الإمامة بكثير من ظهورها في هذا المقصد . وعلى كلّ أنا لا اعتمد على جملة من الكتب الحديثية خلافاً لما هو المسلم عندهم .