المبحث الثامن : في إثبات نبوّة نبيّنا الأعظم الخاتم ( ص )
وهذه المسألة هي المطلب الأسنى والغرض الأعلى في هذا المقصد ، وهي الأساس لإثبات الشريعة الإسلامية المقدّسة بفروعها المحكمة وأصولها النقلية .
فنقول : إنّ محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب العربي القرشي الهاشمي - عليه وعلى آله آلاف التحيّة والثناء والصلوات والبركات - ادّعى النبوّة الشاملة لنفسه ، وأقام المعجزة على إثباتها ، وكلّ من كان كذلك فهو نبي يقيناً .
أما الكبرى فقد تقدّم بيانها وتوضيحها في المبحث الثالث مفصّلًا .
وأمّا الصغرى فهي تنحلّ إلى قضيتين :
الأولى : أنّه ( ص ) ادّعى النبوّة ، وهذا ممّا لا يحتاج إلى دليل لثبوته بالتواتر ، بل أزيد منه فإنّ القرآن المجيد صريح في دعواه النبوّة ، وقد وصل إلينا بالطرق القطعية المتجاوزة حدّ التواتر ، بحيث لم يتمكّن أحد من إنكار صدوره عن النبي الأكرم حتى أعداء الإسلام من أرباب الملل والنحل .
والثانية : إتيانه بالمعجزة وهي العمدة منقول أنّه ( ص ) كان رجلًا أميناً نشأ في معشر جاهل فاسد الأخلاق ، فاقد المزايا والفضائل ، بعيد عن الحضارة الثقافة بعد المشرق من المغرب ؛ ولكن نشأ أميناً صالحاً فاضلًا ؛ متأدّباً ، ثم أتى بقوانين محكمة وأصول عالية ؛ وشرائع جامعة متكفّلة لسعادة أفراد البشر قاطبة في دينهم ودنياهم فيحكم العقل حكماً بتّياً أنّه كان مؤيّداً ومسدّداً ممّا هو فوق عالم الطبيعة والمادّة ، وهو عالم الغيب وعالم الوجوب ، وأنّ الله تعالى هو الذي بعثه إلى الناس لتنظيم حياتهم ومآلهم ؛ فيكون نبيّاً . هذا إجمال المسألة ، وأمّا تفصيلها وتوضيحها فإليك الفصول التالية :
الفصل الأول : في وضع الحجاز قبل البعثة
كان وضع الحجاز - كما ضبطه التاريخ - قد بلغ غاية الفساد ونهاية الانهيار ، كان الناس يعيشون بالغارات والغزوات ، ومن شعارهم سفك الدماء والتكبّر والخيلاء ، وأفعالهم القمار ،