أقول : اعتبارها في النبي واضح ، فإن كلّ عاقل إذا أراد نصب أحد لإكمال أمره لا ينصب إلا من كان لائقاً به وكافياً بشأنه ، وإلا لعدّ ناقضاً لغرضه . وكان من السفهاء ، فالحكيم القديم إذا أراد هداية قوم وإسعادهم بامتثال قانون شامل لجميع نواحي حياتهم وجهات آخرتهم فلا بدّ أن يرسل شخصاً كاملًا من جميع الجهات المحتاجة إليها هداية الناس .
وعن رسول الله ( ص ) : « اما قسّم الله شيئاً أفضل من العقل فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل . . . ولا بعث الله نبيّاً ولا رسولًا حتى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من ( جميع عقول ) أمته « 1 » » انتهى .
والمسألة ضرورية أو قريبة منها ، نعم في عدّها شرطاً مستقلًّا نظر ؛ إذ الظاهر أنّها راجعة إلى العصمة كما يظهر ممّا تقدم .
الشرط الرابع : تنزّهه
ويقصد به تنزّهه عمّا ينفر عنه الطباع كدناءه الآباء وعهر الأمهات والرذائل والأفعاله الدالة على الخسّة ، كما ذكره جماعة ونقله العلّامة ( رحمه الله ) عن الإمامية « 2 » ؛ وذلك لأنّ النبي إذا كان منفوراً للناس لا ينقادون لأوامره وتكاليفه . وهذا نقض لغرض الواجب الحكيم ، وهو لمكان قبحه ممتنع عليه .
أقول : الأوصاف الرذيلة والأفعال الدنيئة تابعة لغلبة القوة الشهوية أو الغضبية على العاقلة ، وحيث إنّ المعصوم عقله يغلب على شهوته وغضبه كما عرفت فلا موضوع لها في حقه .
وأما نفي عهر الأمهات فممّا لا شكّ فيه ، فإن الله تعالى لا يجعل نطف أوليائه المصطفين الأخيار إلا في أرحام طاهرة ، بل ذكر هذا الموضوع لا يخلو عن سوء أدب بالنسبة إليهم ( عليهم السلام ) .
وبالجملة : ما ذكروه في هذا المقام وإن كان متيناً لكن بملاك ذكرناه دون ملاك التنفير ، فإنّ بطلانه غير واضح ؛ لما تقدّم من أنّ الغرض يقوم بإتمام بالحجّة وقطع المعذرة ، ولا دليل على لحاظ طبائع الناس ، بل وظيفة الرسول تعديل طباعهم وتحديد ميولهم ؛ ولذا لم يسمع إلى قول القائل :
( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ )
« 3 » وقولهم :
( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ )
« 4 »
.
هامش
( 1 ) - أصول الكافي 1 / 13 ، وسندها مرفوع غير معتبر .
( 2 ) - إحقاق الحقّ 2 / 227 .
( 3 ) - الزخرف 43 / 31 .
( 4 ) - الفرقان 25 / 7 .