بالظواهر وإن كانت على خلاف الحقيقة عند الله . ويجوز أن يدلّه الله على الفرق بين الصادقين من الشهود والكاذبين ، فلا يغيب عنه حقيقة الحال . والأمور في هذا الباب متعلّقة بالألطاف والمصالح التي لا يعلمها على كلّ إلّا الله عزّ وجلّ ، ولأهل الإمامة في هذه المقالة ثلاثة أقوال :
فمنهم : من يزعم أنّ أحكام الأئمة ( عليهم السلام ) على الظاهر دون ما يعلمونه على كلّ حال .
ومنهم : من يزعم أنّ أحكامهم إنّما هي على البواطن دون الظاهر التي يجوز فيها الخلاف .
ومنهم : من يذهب إلى ما أخترته أنا من المقال . انتهى كلامه .
أقول : القول الأوّل هو المطابق للقاعدة ، إلّا أن يدلّ الدليل على القول الثالث كما ادّعاه المجلسي وهو غير بعيد . وأمّا القول الثاني فهو فاسد . « 1 »
6 - تفويض تشريع الأحكام ، بأن يوجبوا شيئاً ، ويحرّموا شيئاً أو يحكموا بالكراهة أو الندب أو الإباحة وهذا أمر ممكن فإنّ الله سبحانه أعطاهم من العلم ما يمكنهم الإحاطة بالمصالح الواقعية ومناطات الأحكام الدينيّة ، فيحكمون على طبقها وإن لم ينزل به جبريل ( ع ) وإلّا فالمرجع واحد فإنّهم لا يشاءون وإلّا أن يشاء الله .
بل تقدّم في المقصد السابق أنّ هذا المعنى من التفويض ثابت للنبيّ الأعظم ( ص ) بدلالة كثير من الروايات ، وأنّه ( ص ) قد شرّع عدّة محدودة من الأحكام فلاحظ فهو ( ص ) وإن فوّض إليه التشريع كليّاً لكنّه لم يسن إلّا بعض الأحكام ، نعم لم يكن له تغيير ما شرّعه الله تعالى ، وهذا ضروري .
وأمّا في حقّ أوصيائه الكرام ( عليهم السلام ) فلم يثبت ، وإن ورد فيه جملة من الروايات « 2 » إلّا أنّ كلّها قاصر سنداً ، فلذا لم اعتمد عليها ، نعم هنا رواية صحيحة واحدة وردت في حقّ أمير المؤمنين ( ع ) وحده وهي ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني ( قدس سره ) بإسناده عن أبي إسحاق قال : سمعت أبا جعفر ( ع ) يقول : إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه على محبّته فقال :
( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
« 3 » ثمّ فوض إليه فقال عزّ وجلّ :
( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ )
« 4 » قال : ثمّ قال : وإن نبيّ الله فوّض إلى عليّ وأتمنه فسلّمتم وجحد الناس فوالله لنحبّكم أن تقولوا إذ قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا ، ونحن فيما بينكم وبين الله عزّ وجلّ . ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا .
هامش
( 1 ) - لاحظ الكافي 1 / 397 - 398 ، الطبعة الأولى . وعلى كلّ ، الأقوى جواز الحكم لكلّ قاضي بعلمه في حقوق الناس وحقوق الله تعالى .
( 2 ) - لاحظ أصول الكافي 1 / 256 ، والبحار 17 / 260 . و 262 ، المجلد السابع .
( 3 ) - القلم 68 / 4 .
( 4 ) - النساء 4 / 80 .