أن يكون الأتقى هو أبو بكر .
هذا ما نسجه هذا المتوهّم ، وهو تلفيق عجيب ، وكأنّ الملفّق عمي أو تعامى عليه أنّ المراد بالأحد المنعم ليس هو عمومه الاستيعابي وإلّا لم يوجد للأتقى المذكور مصداق في تمام الكرة الأرضية ، إذ ما من بشر إلّا وعنده نعمة من غيره قابلة للجزاء ، كالوالدين والمعلّم والأقارب والأصدقاء ، ولا يمكن أن يوجد بشر « 1 » لم يصل إليه إحسان بشر مثله بالضرورة . بل المراد به الأحد الذي يؤتى له المال ؛ لئلا يكون إيتاء المال كالمعاملة ، بل لابتغاء وجه الله ، وهذا المعنى هو المتفاهم عرفاً من الآية الكريمة ، مضافاً إلى كونه موافقاً للاعتبار العقليّ أيضاً ، فأين انطباقها على أبي بكرهم وحده ؟ ! وإلّا فعنده أيضاً نعمة من أبيه وغيره ، بل يمكن ألا يقال إنّها نزلت في حقّ عليّ ( ع ) لقوله تعالى :
( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً )
« 2 » فإنّه نزل في حقّ عليّ وفاطمة والحسنين ( عليهم السلام ) قطعاً باعتراف جمع من المخالفين ، وصلاحيّته للقرينيّة على مطلوبنا واضحة جداً .
ثمّ إنّ ما تفوّه به من أنّ نعمة الهداية لا تجزى يزيّف بقوله تعالى :
( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى )
« 3 » فمودّة عليّ وآله ذوي قربى رسول الله واجبة على أبي بكر وغيره إن اهتدوا بهدى النبيّ الأكرم ( ص ) . وهذا افضيلة أخرى يفضل بها أمير المؤمنين على أبي بكر .
ويمكن أن يقال إنّ الآية لا تدلّ على الأفضليّة المطلقة لنخصّ عليّاً ( ع ) بل على الأفضليّة النسبية ، وكذلك الأشقى في قوله :
( لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى )
« 4 » ، فإنّ الموجب لدخول الجنّة فضلًا عن تجنّب النار هو التقوى ، فالتقي يستحقّ الجنة وإن لم يكن أتقى ، وكذا الشقي يدخل النار وإن لم يكن أشقى ، وهذا ظاهر لاستر عليه .
ومنها : قوله ( ص ) : « اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر » . وعمومه شامل لعليّ ( ع ) ولا يؤمر الأفضل ولا المساوي بالاقتداء .
أقول : مع كونه جدليّاً ، غير صحيح فإنّ سند الرواية ضعيف كما اعترفوا به أنفسهم ، بل سبق بطلانه وافتعاله لأجل ما ذكرناه من القرائن .
ومنها : قوله ( ص ) في حقّ أبي بكر وعمر : هما سيدا كهول أهل الجنة ما خلا
هامش
( 1 ) - حتّى النبيّ الأكرم ، فإن لأبي طالب وعبد المطلب وحليمة المرضعة عنده نعمة الحفاظة والإطعام وغيرهما .
( 2 ) - الإنسان 76 / 9 .
( 3 ) - الشورى 42 / 23 .
( 4 ) - الليل 92 / 15 - 16 .