وأمّا الاستدلال بالواصل بالطريق الأوّل فهو وإن يصحّ جدلًا وإلزاماً للخصم ، لكنّه لا يغني عن الحقّ الواقع شيئاً ؛ لما سبق من بطلان عدالة كلّ صحابي ووثاقته ، ولا سيّما أنّ أرباب الكتب ورواة الروايات أيضاً غير معتمدين عندنا .
وانطلاقاً من هذه النقطة نفقد سطح الاتكاء ، ولا يتحقق لنا ركن شديد نأوي إليه لإثبات المطلوب .
والجواب أنّ اعتمادنا في ذلك على السنّة النبويّة الواصلة من طريق الخصم ، وهي تصلح برهاناً وجدلًا .
أمّا الثاني فواضح .
أمّا الأوّل ، فللقطع بصحتها ؛ فإنّها بين ما هو متواتر ، وبين ما هو محتفّ بقرينة قاطعة ؛ إذ رواة تلك الروايات ومن أخرجها في كتبهم ينكرون خلافة أمير المؤمنين ( ع ) أشدّ الإنكار ، ويصدّون لإخفائها بكلّ الوسائل ، ويبرّرون لأجله كلّ وسيلة ، فلا يعقل في حقّهم الكذب وتزوير القول لإثباتها ونقيض ما يشتهون فإنّا نسلب منهم الوثاقة دون الدراية ، والعاقل لا يكذب ؛ لبطلان مرامه ، وهذا واضح .
فإن قلت : إنّهم كما أخرجوا الأحاديث الناصّة على خلافة أمير المؤمنين ( ع ) كذلك نقلوا الروايات الدالّة على خلافة خلفائهم وحقّيّة مذهبهم ، فتكون الروايات من طريقهم متضاربة متعارضة تسقط عن الحجّيّة .
قلت : لا تعارض أصلًا ؛ فإنّهم ما نقلوا روايات تدلّ على خلافة خلفهائهم ولا ادّعوا ذلك ، وسيأتي اعترافهم بعدم وجود النصّ ، وأنّ المعتمد عندهم هو الإجماع . وسوف نبرهن لك - قطعياً - أنّ ما ادّعاه بعض محدّثيهم من النصّ على خليفتهم كذب جليّ وقول مختلق لا أساس له ، مع أنّه على تقدير وجوده ، ثمّ على فرض صحّته وعدم القطع بجعله نقول أنّه خبر واحد يعارضه الروايات المتواترة . بل المتجاورة عن حدّ التواتر بكثير ، ومن البديهي لزوم طرح مثل هذا الخبر الواحد .
لا يقال : نعم ، لكن هناك روايات كثيرة أخرى نسبوها إلى النبيّ الأكرم ( ص ) تدلّ على فضائل الخلفاء الثلاثة وكرامتهم ، وهي تعارض بالدلالة الالتزامية ما يدلّ على خلافة أمير المؤمنين ( ع ) إذ أخذ الخلافة لا يلائم الفضيلة .
فإنّه يقال : الروايات الدالّة على خلافة عليّ ( ع ) ممّا اتّفق عليه جميع المسلمين ونقلها الكلّ ، وتلكم الروايات اختصّ بنقلها البعض ، وحكم العقل وسبيل الرشد والاحتياط هو أخذ المتّفق عليه وترك المختلف فيه ، قال الله تعالى :
( فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ