المطلب الثاني عشر : في امتناع الاكتناه بحقيقته تعالى
لا يسع الممكن أن يدرك كنه ذات الواجب تعالى ، فإنّ جميع قواه العقلية والجسمية محدودة ، والواجب غير متناه . فلو أحاط الممكن به - ولو إجمالًا - لزم الخلف من أحد الجانبين .
وعن السجاد ( ع ) « 1 » : « لبعده أن يكون في قوى المحدودين ؛ لأنّه خلاف خلقه » .
دليل اخر ، وهو : أنّ حقيقته تعالى ليست بضروري التصور ، فإن أمكن بمعرفتها فبالكسب والنظر ، لكنّه في المقام غير ممكن ، فإنّ الرسم لا يفيد عرفان حقيقة المعرف ، مع أنّه لا عوارض للواجب . والحد متفرع على تركب المحدود من الجنس والفصل المنفيّين عن الواجب البسيط . نعم ، يمكن أن يقال بعدم انحصار تحصيل المسائل النظرية بالتعريف ، بل يمكن حصولها بإلهام الله تعالى روحيه لكنّ جريان ذلك في المقام محلّ نظر . فهذا الدليل ، غير تامّ .
وجه آخر : إدراك الشيء ظهوره عند المدرك وتجلّيه عليه ، وهو إمّا بالصفة ، أو بالكينونة ، والثاني يستحيل في درك الأثر للمؤثر ؛ لأنّ كينونة ذات الأثر رتبة صفة المؤثر ، لا ذاته ، فلا يصل إليها ، بل منقطع دونها ؛ لامتناع خروج الشيء عن مقام ذاته ، فنفسه حجابه . ذكره بعضهم « 2 » ، وفيه نظر .
واستدل بعض المتكلمين على نفي وقوع معرفته - دون إمكانها - بوجهين آخرين « 3 » :
1 - إنّ المعلوم منه أعراض عامة كالوجود ، أو سلوب ، كالوجوب ، أو إضافات . ولا شك أنّ العلم بها لا يوجب العلم بالحقيقة ، بل يدل على أنّ ثمّة حقيقة متميزة في نفسها عن سائر الحقائق .
هامش
( 1 ) - على ما في البحار 3 / 308 .
( 2 ) - أنوار التوحيد / 61 .
( 3 ) - شرح المواقف 3 / 116 .