مراتباً غنىً وفقراً تختلف * كالنور حيثما تقوّى وضعف
وأمّا بناءً على عدم منافاتها لها كما ادعاه صاحب الأسفار وغيره فالقون المذكور هو عين القول الرابع .
ثم إنّ الذي يهمّنا بيانه هو القول الثاني والرابع .
فنقول : أمّا بيان القول الثاني المنسوب إلى جهلة الصوفية ، فهو أنّه يتوهمون أن لا بحقق بالفعل للذات الأحدية - المنعوتة بألسنة العرفاء بمقام الأحدية وغيب الهوية وغيب الغيوب - مجردة عن المظاهر وامجالي ، بل امتحقق هو عالم الصورة وقواها الروحانية والحسّية . والله هو الظاهر المجموع لا بدونه .
قال في الأسفار ردّاً عليه : وذلك القول كفر فضيح وزندقة صرفة ، لا يتفوه به من له أدنى مرتبه من العلم . . . إلى آخر « 1 » .
وعلّق عليه السبزواري بقوله : بالحقيقة هذا الذي اعترفوا به مقام الوحدة في الكثرة . وقد أنكروا مقام الكثرة في الوحدة ، وهو المراد بالوجود المجرد عن المجالي والمظاهر . وهو المراد بقول الفحول ومنهم المصنف ( قدس سره ) : بسيط الحقيقة كل الأشياء ، لا مقام الوحدة في الكثرة . . . إلى آخره . فمحصّل هذا المذهب : أنّ للموجود مصداقاً واقعياً شخصياً يتطور بأطوار مختلفة وبشؤون متكثرة ، فهو أرض وسماء وملك وإنسان ، وهكذا ، وحيث إنّ هذه التكثرات أمور اعتبارية محضة فلا تضرّ بوحدة هذا الموجود الشخصي ، وهو الواجب ، وليس له مجلى ومجال مجرد عن هذه المجالي الموجودة الممكنة .
أقول : وحيث إنّ هذه الموجودات ممكنة ، بل حدوث كثير منها محسوس ومشهود فينجرّ مآل كلامهم إلى إنكار الواجب الوجود ، فجوابهم ما ذكرناه - في المقصد الأول - في ردّ إخوانهم المادّيّين ، بل هؤلاء أرذل شعوراً وأفسد رأياً منهم ، حيث جعلوا الكثرة الحسّية اعتبارية فجمعوا بين المادية والسفسطة ،
كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
« 2 »
.
وأمّا بيان القول الرابع فقد ظهر إجمالًا من كلام السبزواري ، وأنه مقام الكثرة في الوحدة ، فالوجود على هذا القول ذو حقيقة مجردة عن المجالي .
وقيل : إنّه - أي الوجود - بجميعه من المجرد عن المجالي وغيره واجب ، وليست مرتبة الواجبية عندهم مختصة بالمرتبة المجردة عنها المعبّر عنها بمرتبة بشرط لا ، بل الكل من الدرّة إلى الذرّة والقرآن إلى القدم وجود الواجب ، مع كون ما عدا تلك المرتبة بشرط اللائية مفتقرة إلى
هامش
( 1 ) - الأسفار الأربعة 2 / 345 .
( 2 ) - الفرقان 25 / 44 .