المطلب السادس : في نفي الحلول والاتّحاد
والأول عبارة عن قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية بشرط امتناع قيامه بذاته . وحيث إنّ الواجب قائم بذاته فلا يعقل حلوله بغيره .
والثاني عبارة عن صيرورة الشيئين شيئاً واحداً ، وبما أنّ التغيّر والانقلاب على الواجب ممتنع فلا معنى لاتحاده بغيره .
واستدل أيضاً على نفي الأول باحتياج الحالّ إلى المحلّ ، وهو يستلزم الإمكان .
أقول : وفيه نظر مرّ في مبحث نفي المكان عنه تعالى ، وبأنّ المحلّ إن قبل الانقسام لزم تركبه تعالى ، وإن لم ينقسم كان الواجب أحقر الأشياء .
أقول : إذا فرضنا المحلّ مجرداً فلا يجري فيه هذا الترديد ، كما لا يخفى .
إلا أن يقال في تتميمه : إنّ المجرد إن كان واجباً فتدفعه أدلة التوحيد ، أو ننقل الكلام إليه حتى يتسلسل ، فتدبر . وإن كان ممكناً فهو محدود لا محالة ، وحلول الغير متناهي بالمحدود ممتنع ، فافهم . وبأنّ المحلّ إن كان قديماً لزم تعدد القدماء ، وإن كان حادثاً لزم حدوثاً لزم حدوث الواجب . لكن يمكن أن يورد عليه : بأنّ حدوث المحلّ يستلزم حدوث الحلول دون الحالّ . إلا أن يقال : إنّ ذلك يدل على استغناء الواجب عن المحلّ قبل حدوثه ، فلا معنى لحلوله فيه بعده .
واستدلّ أيضاً على نفي الثاني : بأنّ الواجب لو اتحد بغيره لكان هذا الغير - لمكان أدلة التوحيد - ممكناً ، فيكون الحكم الصادق على الممكن صادقاً على المتحد به ، فيصير الواجب ممكناً .
بل الاتحاد في نفسه محال ، فإنّ المتحدين المفروضين : إمّا أن يكونا بعد الاتحاد كما كانا قبله فلا اتحاد ، أو يصيران معدومين معاً ، أو يعدم أحدهما فلا اتحاد أيضاً ، كما قالوا .
فالمتحصل : أنّ الاتحاد والحلول مسلوبان عن الواجب القديم سلباً ضرورياً ، ثم إنّ المخالف في المقامم هم النصارى والصوفية ، حيث نسبوا إلى الأول حلول الواجب أو اتحاده بعيسى ، وإلى الثاني حلوله في قلوب العارفين واتحاده بأبدانهم أو بنفوسهم . وربّما ينسب إلى الغلاة اتحادة تعالى أو حلوله بالعترة الطاهرة ، كل ذلك باطل عقلًا وشرعاً ، ولا إيمان لقائله واقعاً ، تعالى الله عمّا يقول الملحدون علوّاً كبيراً .