الفوق « 1 » ، ولهم في ذلك مقالات زائفة خرافية أعرضنا عن التحدث عنها . والذي يمكن أن يستدل به لقولهم وجوه :
1 - إنّ كل موجود فهو متحيز ، أو حالّ فيه بالضرورة العقلية .
2 - كل موجودين فإمّا أن يتصلا ، أو ينفصلا ، فالواجب إن كان متصلًا بالعالم أو منفصلًا عنه يكون متحيزاً ؛ لأنّ الاتصال والانفصال إنّما هما بالمكان .
3 - إنّه إمّا داخل العالم ، أو خارجه ، أو لا داخله ولا خارجه ، والثالث غير معقول ، والأوّلان فيهما المطلوب .
4 - الظواهر النقلية كقوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 2 »
،
وقوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
« 3 »
،
ونحوهما ، وهو كثير في القرآن .
أقول : قد عرفت في أول هذا الكتاب أنّ الظواهر الشرعية متى تصادمت مع الأحكام العقلية القطعية لا بد من طرحها إن لا يثبت سندها ، أو تأويلها إن صح سندها ، ولذا قد ذكر العلماء لكلّ من هذه الآيات تأويلًا ، وفي المراجعة إلى أخبار أئمة أهل البيت - سلام الله عليهم - غنّى وكفاية .
وأمّا بقيّة الوجوه فهي من أحكام الوهم المجرّد ، ولا يصدّقها العقل أبداً . بل العقل قد استقلّ بنفي المكان والجهة عنه تعالى كما دريت . والسائر في المسائل العقلية لا بدّ من تخليص نفسه من حضيض الوهم إلى صقع العقل لينان الحقائق والمعارف . وإذن يمكن لنا أن نختار الشقّ الثالث ، وأنّه تعالى ليس بداخل ولا خارج ، وليس بمتصل ولا بمنفصل . ولنا أن نختار الشقّ الأول ، وأنّه داخل ومتصل بالأشياء ، لكن لا كدخول شيء في شيء واتصال شيء بشيء كما يتوهّمه الوهم . ولنا أن نختار الشقّ الثاني ، وأنّه تعالى خارج ومنفصل عن الأشياء ، لكن لا كخروج شيءٍ عن شيء وانفصال شيء عن شيء ، كما لا يخفى على العقول الصافية . فهو في الأشياء كلّها غير متمازج بها ولا بائن عنها ، ولم يقرب من الأشياء بالتصاق ، ولم يبعد عنها بافتراق ، كما روي عن الوصي ( ع ) .
هامش
( 1 ) - شرح المواقف 3 / 16 .
( 2 ) - طه 20 / 5 .
( 3 ) - الفجر 89 / 22 .