المطلب الثالث : في أنّه ليس بزماني
تمهيد :
اختلفت الأقوال حول الزمان وبيان حقيقة :
فمن قائل : إنّه جوهر مجرد عن المادة ، لا يقبل العدم لذاته ، فيكون واجباً بالذات . إذ لو عدم لكان عدمه بعد وجوده بعدية لا يجامع فيها البعد والقبل . وتلك هي البعدية بالزمان ؛ لأنّ البعدية لا بالزمان يجامع فيها البعد والقبل . فمع عدم الزمان زمان ، وهذ خلف ، فحيث بطل عدمه فقد وجب وجوده . فتحصل : أنّه جوهر مجرد عن المادة ولواحقها قائم بذاته .
ومن قائل : إنّه الفلك الأعظم ؛ لأنّه محيط بكلّ الأجسام . كما أنّ الزمان محيط بها .
ومن قائل : إنّه حركة الفلك الأعظم ؛ لأنّها غير قارة . كما أنّ الزمان غير قارّ .
ومن قائل - وهو أرسطو وقيل : ومعه المشهور - : إنّه مقدار حركة الفلك الأعظم .
ومن قائل - وهم الأشاعرة « 1 » - : إنّه ما يقدر به متجدد مبهم لإزالة إبهامه ، وقد يتعاكس التقدير بحسب ما هو معلوم للمخاطب . فإذا قيل : متى جاء زيد ؟ يقال : عند طلوع الشمس ، إن كان السائل عالماً بطلوع الشمس . وإذا قيل : متى طلع الشمس ؟ يقال له : عند مجيء زيد ، إذا كان بعكس الأول .
ومن قائل : إنّه مقدار حركة الطبيعة الفلكية ، بناءً على الحركة الجوهرية ، لكنّ شيئاً منها لا يصلح للتعويل عليه ، فإنّ ما تفوّه به للوجه الأول - إن تمّ - يدل على نفي العدم اللاحق بعد وجود الزمان دون العدم السابق عليه ، فلا يثبت وجوبه . وما استدل للثاني والثالث فهو استدلال بموجبتين من الشكل الثاني ولا نتيجة له ، على أنّ الوسط في الثاني غير مكرر ؛ إذ الإحاطة في الصغرى بمعنى وفي الكبرى بمعنى . ويزيف الثالث أيضاً بأنّ الحركة توصف بالسرعة والبطء ولا يوصف بهما الزمان ، والأخير بما ذكره الجرجاني في شرح المواقف . ولعلّه لأجل ذلك ذهب بعضهم إلى أنّه أمر متوهم لا وجود له أصلًا . لكن المستفاد من الروايات الكثيرة
هامش
( 1 ) - شرح المواقف 2 / 69 .