أقول : المراد بالأولى الوجودات القارة ، وبالثانية الوجودات السيالة غير القارة بتوهّم أن العدم أولى بهذه الوجودات - كالأصوات والحركات والأزمنة - وإلّا لجاز بقاؤها مع أنّه غير جائز وإذا جازت الأولوية في جانب العدم فليكن جوازها في جانب الوجود - كما في الوجود القارّ - أولى .
القول الرابع : تخصيص هذه الأولوية في طرف العدم فقط بالقياس إلى طائفة من الممكنات بخصوصها ، أي السيالة غير القارة .
نقلت هذه الأقوال الثلاثة الشاذة عن الفلاسفة .
أقول : أمّا القول الثاني فهو أجنبي عن المقام ؛ إذ السهولة في علّة العدم لا في نفسه ، فهذه الأولوية إنّما هي بالنظر إلى الغير لا بالنظر إلى ذات الممكن .
وأمّا القول الثالث فيفسده أنّ الوجود غير البقاء ، بل لا يلزمه ، فعدم البقاء لا يسبب أولوية العدم بالنسبة إلى الماهية . وبوجه آخر : ان التصرّم والبقاء من خصوصيات الوجود أو الماهية ولا صلة لهما بأولوية أحد الطرفين بها ، وأولوية الماهية بأحدهما كما لا يخفى . وان شئت فقل :
إنّهما راجعان إلى الإمكان الاستعدادي دون الإمكان الذاتي . ومنه ينقدح بطلان القول الرابع أيضا .
وأمّا القول الأول فله دلائل : 1 - ما ذكره القوشجي في شرحه على التجريد « 1 » من أنه من ذلك الرجحان ، لو لم يجز وقوع الطرف المرجوح نظرا إلى ذات الممكن لم يكن ممكنا ما فرضناه ممكنا ، ولو جاز وقوعه نظرا إلى ذاته لجاز رجحانه على الطرف الراجح نظرا إلى ذاته ؛ إذ لا يتصوّر الوقوع بدون الرجحان ، لكنه لا يجوز ؛ لمنافاته مقتضى ذات الممكن وهو رجحان ، الطرف الراجح .
ويمكن الخدش فيه بأنّه مبني على أن الذات تقتضي الأولوية وجوبا ، وأمّا إذا قيل بأنّ اقتضاءها لها أيضا على نحو الأولوية فيرتفع المنافاة المذكورة .
2 - ما ذكره الرازي واستحسنه غيره « 2 » من أن ما يقتضي رجحان طرف فهو بعينه يقتضي مرجوحية الطرف الآخر للتضايف الواقع بينهما ، ومرجوحية الطرف الآخر يستلزم امتناعه لاستحالة ترجيح المرجوح ، وامتناعه يستلزم وجوب الطرف الراجح ، فتصبح الأولوية وجوبا ، وهو خلف . واختاره الدواني أيضا « 3 » .
هامش
( 1 ) شرح التجريد / 43 .
( 2 ) نقله في الأسفار 1 / 202 .
( 3 ) شرح القوشجي ( الحاشية ) / 43 .