علّتة التامة ؛ وعلى الثاني توقّف وجود الأثر - وهو العالم - على شيء آخر ، فهذا مع كونه خلفا يرد عليه أنّ هذا الشيء إن كان قديما فقد ثبت أيضا قدم العالم ، وإن كان حادثا فلا بدّ له من مرجّح حادث ، وإلّا لكان الحادث غير حادث ، ثم ننقل الكلام إلى ذلك المرجّح الحادث في احتياجه إلى مرجّح آخر حادث ، وهكذا إلى غير النهاية ، فيلزم قدم العالم من وجود حوادث لا أول لها .
وإن شئت فقل : إن العالم بماله من الشروط الحادثة المذكورة بحيث لا يشذّ عنها شيء ، إذا لا حظنا الواجب إليه فهو إما علة تامة له أم لا ، الأول يثبت المطلوب ، والثاني يوجب نفي وجود العالم أزلا وأبدا .
أقول : وهذا أقوى دليلهم في هذا المقام ، وقد أجاب عنه المتكلّمون بوجوه عديدة وبجوابات مختلفة ، وإليك بيان بعضها :
الجواب الأول : ما هو المشهور بين المتكلّمين « 1 » من أن الفلاسفة إنما يقولون بقدم العالم لزعمهم لزوم توسّط أمر ذي جهتي استمرار وتجدّد بين الحادث اليومي والقديم ؛ لئلا يلزم التخلف عن العلة التامّة .
ونحن نقول : إنه الزمان ولا يلزم القدم لكونه أمرا اعتباريا انتزاعيا ، وأدلة وجوده مدخولة ولا نقول بانتزاعه من موجود ممكن حتى يلزم القدم أيضا ، بل هو منتزع من بقائه تعالى « 2 » فكما انهم يصحّحون ربط الحادث بالقديم بالحركة والزمان ، كذلك نصححه أيضا بالزمان وكون الزمان مقدار حركة الفلك ممنوع ، بل نعلم بديهة أنه إذا لم يتحرك الفلا مثلا ، يتوهّم هذا الامتداد المسمّى بالزمان ، والقول بأنّه لعلّه من بديهة الوهم لا يصغى اليه .
ثم إنّ الزمان وإن كان وهميا إلا أنه ليس باختراعي ، بل ونفس أمري ؛ ومثل هذا الوهمي يصحّ انّ يكون منشأ للأمور الموجود ، لا بأن يكون فاعلا لها بل دخيلا فيها .
وحاصل هذا الجواب : أنا نختار أنه ليس في الأزل مستجمعا لشرائط التأثير .
قولهم : فلا بد له من مرجح حادث .
قلنا : هو تمام قطعة من الزمان يتوقّ عليها وجود العالم ويرتبط به الحادث بالقديم على نحو ما التزمه الفلاسفة في الحركة .
هامش
( 1 ) السماء والعالم / 57 .
( 2 ) هذا هو المسمى بالزمان الموهوم ، وهو الامتداد الموهوم المنتزع من بقاء الواجب . وأما الزمان المتوهّم فهو الامتداد الموهوم غير المنتزع من بقاء الواجب ، فالموهوم ما لا فرد لا يحاذيه ، ولكن له منشأ الانتزاع ، والمتوهّم ما لا فرد له ولا منشأ لانتزاعه . ويجعلون هذا الزمان وعاء لعدم العالم ، فيقولون : إن العالم حادث زماني وليس بقديم .