ونرى هنا أنّ أفضل دعاء وابتهال لهذين النبيّين الجليلين ( في ذلك الظرف الخطير وتلك اللحظات العظيمة في بناء الكعبة ورفع جدار قِبلة المشتاقين لسلوك طريق المحبوب ، ومن شدّهم الوجد للقاء المعشوق ، والمتلهّفين لاجتياز المادّيّات الملوّثة للطبيعة فانشغلوا بقطع الدنيا وهم فيها إلى ما ورائها من عوالم ) هو أن يبعث في هؤلاء القوم نبيّ آخر الزمان : محمّد بن عبد الله ليعلّمهم الكتاب والحكمة ، فيخرجهم من زُمرة البهيميّة ، ويربيهم ويهديهم للتكامل ولبلوغ أوج كمال الإنسانيّة .
فكم هو قيم جليل عِلم الحكمة ليدعو به إبراهيم وإسماعيل واضعا الحجر الأوّل في بناء التوحيد وشريعة الإسلام المقدّسة ، ليكون من نصيب الثمرة الوحيدة التي تمخّض عنها عالم الوجود ، وثمرة فؤادهما الذي تمثّلت فيه أرقى وأسمى نماذج الحياة .
ثمّ يقول تعالى بعد ذلك بلا فصل :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ .
« 1 »
ويُستكشف من هذه الآية أوّلًا : أنّ السفهاء والمتخلّفين فقط هم الذين يُعرضون ويرغبون عن ملّة إبراهيم وسنّته .
وثانياً : حسب قاعدة عكس النقيض ، فإنّ : كُلُّ مَنْ لَمْ يَسْفَهُ نَفْسَهُ ،
هامش
( 1 ) النصف الأوّل من الآية 130 ، من السورة 2 : البقرة .