ليحمل عدم معرفته معنى الفَطْر على عدم اطّلاعه على لغة العرب ، بل يتّضح من جهله به ومجيء الأعرابيّ به في كلامه أنّ استعمال هذا اللفظ باشتقاقاته لم يكن معهوداً في اللغة العربيّة وأدبها وأشعارها ، وأنّ استعماله كان من مختصّات القرآن الكريم .
وقد اهتم القرآن الكريم بشكل خاصّ بهذه الكلمة التي أوضح بها في كلّ موضع وردتْ فيه أنّ صنع الربّ الخالق الحكيم كان إبداعاً وصنعاً على غير شبيه ، وكذلك إبداع عوالم الوجود من خلق السماوات والأرض وسائر الموجودات .
يقول الراغب الأصفهانيّ في « المفردات » :
أصْلُ الفَطْرِ : الشَّقُّ طُولًا . . . وَفَطَرَ اللهُ الخَلْقَ ؛ وَهُوَ إيجَادُهُ الشَّيْءَ وَإبْدَاعُهُ عَلَى هَيْئَةٍ مُتَرَشِّحَةٍ لِفِعْلٍ مِنَ الأفْعَالِ .
وعليه ، فإنّ قوله تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
إشارة إلى أنّ الله تعالى ركز معرفته في الإنسان وأوجدها إبداعاً . ف فِطْرَتَ اللهِ عبارة عن قوّةٍ منه أودعها في الناس لمعرفة الإيمان وجبلها في طينتهم ، ولذا فإنّهم حين يُسأَلون مَنْ خَلَقهم ؟ يقولون : الله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ .
« 1 »
وقال تعالى :
« الَّذِي فَطَرَهُنَّ »
،
« وَالَّذِي فَطَرَنا » ؛
أي أبْدَعَنَا وَأوْجَدَنَا .
يصحّ أن يكون الانفطار في قوله : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ إشارة إلى قبول ما أبدعها وأفاضه علينا منه . « 2 »
يقول ابن الأثير في « النهاية » في مادّة فَطَرَ :
هامش
( 1 ) قسم من الآية 87 ، من السورة 43 : الزخرف .
( 2 ) « المفردات » للراغب ، ص 382 ، طبعة حلبي مصر ، تعليق محمّد سيّد الگيلانيّ .