إجْرَاءِ الكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَإنَّ الكَذَّابَ لَا يَنْصِبُ دَلِيلًا عَلَى خِلَافِ زَعْمِهِ ؛ وَأَنَّى يَنْصِبُ وَهُوَ لِتَرْوِيجِ مَا يَقُولُ رَاكِبٌ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ ؟ « 1 »
وهو عائد للمعنى الكّليّ للكذب والمجاز بالتفصيل الذي ذكر ، ممّا ينفي أيّ مجال لشبهة .
نسبة الحقيقة والمجاز مع الصدق والكذب : في العموم والخصوص من وجه واحد
ويمكن بعبارة منطقيّة القول إنّ النسبة بين الحقيقة والمجاز ، وبين الصدق والكذب هي عموم وخصوص من وجه ، يعني : 1 يمكن أن يكون الكلام حقيقة وصدقاً ، كأن تقول : جاء الأمير ، وتقصد بالأمير نفس الأمير لا وزيره أو وكيله ، ويكون الأمير قد جاء حقّاً .
2 ويمكن أن يكون الكلام حقيقة وكذباً ، كأن تقول : جاء الأمير ؛ ويكون مرادك بالأمير نفس الأمير لا وزيره ، لكنّ الأمير لم يكن قد جاء بعد .
3 ويمكن أن يكون الكلام مجازاً وصدقاً ، كقولك : جاء الأمير ؛ وقصدك بالأمير وزيره لا نفسه ، ويكون الوزير قد جاء فعلًا .
4 ويمكن أن يكون الكلام مجازاً وكذباً ، كقولك جاء الأمير ، وقصدك بالأمير وزيره لا نفسه ، لكنّ الوزير لم يكن قد جاء بعد .
وينبغي بالطبع نصب قرينة لفظيّة كلاميّة في الحالتين الثالثة والرابعة ، أي في الاستعمال المجازيّ بصورتيه الصادقة والكاذبة على إرادتك بلفظ الأمير وزيره ، أي على صرفك اللفظ عن معناه الظاهريّ .
لقد اتّضح معنى المجاز جيّداً ، وعلمنا أنّ القرآن الكريم مليء بالمجازات والاستعارات التي هي في الحقيقة مجازات أيضاً ؛ وأنّ آية :
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ،
« 2 » وآية :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
هامش
( 1 ) « مفتاح العلوم » ص 198 ، الطبعة الأولي ، المطبعة الأدبيّة ، مصر .
( 2 ) الآيتان 13 و 14 ، من السورة 86 : الطارق .