هذا القرآن معجزة لأنّه يُوصف بأنّه مليء بالمجازات التي انتظمت بين آياته من أوّله إلى آخره ، إلى الحدّ الذي دفع السيّد الرَّضيّ رحمةالله عليه جامع « نهج البلاغة » لتأليف كتاب مستقلّ في مجازَات القرآن جمع فيه كلّ الآيات التي استُعملت في المجاز ، وأوضح فيه النكات البديعة في استعمال هذه المجازات . وقد ألّف السيّد الرضيّ كذلك كتاباً مستقلًّا في مجازات الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم دعاه ب « المجازات النبويّة » .
فاستعمال الكلمة المجازيّة جائز في اللغة ، لأنّه أبلغ في إيصال المعنى من استعمال الكلمة الحقيقيّة ، ولذا فقد قيل : الكِنَايَةُ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ ، وَالمَجَازُ أَبْلَغُ مِنَ الحَقِيقَةِ ، وَالاسْتِعَارَةُ أَبْلَغُ مِنَ التَّشْبِيهِ . « 1 »
ويتّضح ممّا قيل أنّ الاستعارة والمجاز ليسا كذباً ، بل عين الحقيقة والصدق والصواب ، فلا طريق فيهما للكذب والبطلان ، ولا يمكن لأحد توهم الكذب والبطلان فيهما . يقول السكّاكيّ إمام المحقّقين في الأدب في « مفتاح العلوم » :
وَالاسْتِعَارَةُ لِبِنَاءِ الدَّعْوَى فيهَا عَلَى التَّأْوِيلِ تُفَارِقُ الدَّعْوَى البَاطِلَةَ ، فَإنَّ صَاحِبَهَا يَتَبَرَّا عَنِ التَّأْوِيلِ . وَتُفَارِقُ الكِذْبَ بِنَصْبِ القَرِينَةِ المَانِعَةِ عَنْ
هامش
( 1 ) جاء في كتاب « نِقَايَةُ القُرَّاء » للسيوطيّ : وَهِيَ وَالمَجَازُ وَالاسْتِعَارَةُ أَبْلَغُ مِنَ الحَقيِقَةِ وَالتَّصْرِيحُ وَالتَّشْبِيهُ . ثمّ يقول في شرحه الذي كتبه عليها وسماه ب « إتمام الدراية لقرّاء النقاية » :
وهذه العبارة لفّ ونشر مشوّش ، أي الكناية أبلغ من التصريح ، لأنّ الانتقال فيها من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشيء ببيّنة ، والمجاز أبلغ من الحقيقة لذلك ، والاستعارة أبلغ من التشبيه لأنّها مجاز وهو حقيقة . ( « كتاب إتمام الدراية لقرّاء النقاية » بهامش « مفتاح العلوم » للسكّاكيّ ص 161 ، الطبعة الأولى ) .