وهكذا هو شأن هذا الرجل الذي تعلّم العلم لكنّه رحل عن الدنيا ولم يجن إلّا الضرر والخسران ، فلقد أضاع بإرادته واختياره عمره الشريف الذي يعدّ أثمن رأسمال له ، وخسر حياته الحاضرة بلا عوض ، وكان في هذا الدنيا التي تعدّ محلّ اكتساب العلم النافع وتحصيل العقل الكامل والتجرّد الخالص مسربلًا بمسكنة العلم ، صفر اليدين من الكمالات النفسيّة ، حتى رُحّل عنها حائراً ذليلًا ، وسيق إلى سرادق النور بأعين عمياء وآذان صمّاء .
لاخَيْرٍ في عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ
ولذلك كان خاتم الرسل ، النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم يستعيذ بالله من علومٍ غير نافعة كهذه ، فيدعو ربّه ويسأل حاجته من ساحة قُدسه :
اللَهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ . « 1 »
هامش
( 1 ) ورد هذا الدعاء في الجوامع الشيعيّة والعامّيّة ؛ وقد ذكر الشيخ الطوسيّ في « مصباح المتهجّد » ص 53 ، في جملة تعقيبات صلاة العصر : ثُمَّ تَقُولُ : اللَهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ الدعاء .
وأورده الراغب الأصفهانيّ في « المحاضرات » ج 1 ، ص 35 : قَالَ النَّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ : أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : أَشَدُّ النَّاسِ نَدَامَةً عِنْدَ المَوْتِ العُلَمَاءُ المُفَرِّطُونَ . وَقَالَ صلّى الله عَلَيْهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ : اللَهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَعَيْنٍ لَا تَدْمَعُ وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَؤُلَاءِ الأرْبَعِ .
وروى الحاكم في « المستدرك » ج 1 ، ص 104 ثلاث روايات مختلفة ، اثنتان منها بسنده عن أبي هريرة والثالثة بسنده عن أنس : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ يَدْعُو فَيَقُولُ : اللَهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الأرْبَعِ : مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ ؛ وورد في الدعاء المروي عن أنس بزيادة : اللَهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤْلَاءِ الأرْبَعِ . ويقول ابن ميثم كذلك في شرح قول أمير المؤمنين عليهالسلام في « شرح نهج البلاغة » ج 5 ، ص 12 : ولهذا فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وآلهوسلّم يستعيذ بالله منشرّ هكذا علم ، ويقول : وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ . وهو مذكور كذلك في « مرصاد العباد » ص 486 .
وأورده في « إحياء العلوم » ج 1 ، ص 291 بهذه العبارة ، وأورده في ج 1 ، ص 3 بهذه الصورة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ .
وأورد الفيض الكاشانيّ هذا الحديث في كتاب « المحجّة البيضاء » ج 1 ، ص 4 ، عن الغزّالي . ويقول المعلّق في تعليقته : أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَةَ . . . وَالنِّسَائِيّ في سُنَنِهِ ، وَهَكَذَا في « المُسْتَدْرَك » ؛ وَفي « مِصْبَاحِ الشَّرِيعَةِ » باب 60 .