إليه فوجدتُه قد فارق الحياة ، فعدتُ مسرعاً إلى الثاني فوجدتُه قد فارق الحياة ، فعجّلتُ إلى الأوّل بالماء فرأيته قد فارق الحياة أيضاً .
كان قدح الماء القراح في يده ، لكنّ شهداء طريق الحقّ الثلاثة ماتوا مُؤْثِرِين ، يهدّهم العطش والجراح . ولقد كان هؤلاء جميعاً على أعتاب التوحيد والعرفان الإلهيّ والتعليم القرآنيّ
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ،
فلقد اختمرت قلوبهم وضمائرهم وأرواحهم ، بهذه الآية فنتج عنها جميعاً عجيناً واحداً خاصّاً .
فقارنوا هذه الرواية مع ما فعله الجنود الفرنسيّون الذين قاتلوا في جيش نابليون لهزيمة الروس في روسيا ، فقد جاء في التأريخ أنّ جنوده حين واجههم في روسيا برد الشتاء القارس الذي لا يُطاق ، كانوا يعمدون إلى بطون المجروحين الساقطين على الأرض فيشقّونها ويدخلون أيديهم فيها ليدفِّئونها ! !
هذه هي حرب الكافر وهدفه ، وتلك هي حرب المسلم التابع للقرآن وهدفه .
سماع الفضيل آية : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
ينقل في « سفينة البحار » قصّة الفُضَيل بن عِياض « 1 » وكيف أنّ آية
هامش
( 1 ) - عِياض ( بكسر العين ) ، وقد ذكر الشيخ العطّار في « تذكرة الأولياء » ص 78 إلى 87 ترجمة الفضيل وشرح حاله ، يقول في جملته . ذهب هارون الرشيد ووزيره الفضل البرمكيّ لرؤيته ، فإذا هو يتلو هذه الآية :أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ. الآية 21 ، من السورة 45 . الجاثية ، فقال هارون . إن جئتُ أطلب الموعظة ففي هذه كفاية . ثمّ قرعوا الباب ، فقال . من هذا ؟
قال الفضل . أجب أمير المؤمنين .
قال . ما لي ولأمير المؤمنين ؟ وما يبغي منّي أمير المؤمنين ؟ قال . أوَ لَيست طاعة أولى الأمر واجبة ؟
قال . لا ترغّبني بذلك .
قال . أتفتح طوعاً أم بأمر .
قال . لا حاجة للأمر ، إن شئتم الدخول كرهاً فأنتم وشأنكم .
فدخل هارون وجاء قرب الفضيل فنفخ الفضيل الشمعة لئلّا يرى وجهه ، فمدّ هارون يده إليه ومدّ فضيل يده إليه ، فقال . مَا ألْيَنَ هَذَا الكَفَّ لَوْ نَجَا مِنَ النَّارِ !
قال هذا وقام للصلاة ، فتغيّر وجه هارون وبكى ، وقال . زدني ! . . . حتى يصل إلى القول . فبكى هارون بكاءً شديداً حتى كاد أن يُغمى عليه ، فقال الفضل الوزير . كُفّ فقد قتلتَ أمير المؤمنين !
قال . صَهْ يا هامان ! أنت وصحبُك تقتلونه ، ثمّ تقول لي . قتلتَه ، أفهذا هو القتل ؟ ! فزاد بكاء هارون لهذا الكلام ، ثمّ التفت إلى الفضل ، وقال .
ولقد دعاك هامان ليضعني مكان فرعون .