خلافته وقبله من كون القرآن صار مهجوراً ، ويتأسّف من عدم الاستفادة من هذا الكنز الثمين .
إلَى اللهِ أشْكُو مِن مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالًا ؛ وَيَمُوتُونَ ضُلَّالًا ؛ لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أبْوَرُ مِنَ الكِتَابِ إذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ . وَلَا سِلْعَةٌ أنْفَقُ بَيْعاً وَلَا أغْلَى ثَمَناً مِنَ الكِتَابِ إذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ . وَلَا عِنْدَهُمْ أنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ ؛ وَلَا أعْرَفُ مِنَ المُنْكَرِ « 1 » .
وكم كان يتأوّه ويشكو من اختلاف الفقهاء مع أن مرجع جميع الفتاوى واحد ، وهو كتاب الله ، فلا محمل لاختلافهم هذا إلّا الجهل بمواضع التأويل ، وعدم عرضهم الآيات على بعضها ، وعدم استعانتهم لرفع الإبهام في آيات القرآن بالقرآن نفسه .
وَإلَهُهُمْ وَاحِدٌ وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ . أفَأمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالاخْتِلَافِ فَأطَاعُوهُ ؟ أمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ ؟ أمْ أنْزَلَ اللهُ دِينَاً نَاقِصَاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ على إتْمَامِهِ ؟ أمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ ، فَلَهُمْ أنْ يَقُولُوا وَعَلَيْهِ أنْ يَرْضَى ؟ أمْ أنْزَلَ اللهُ دِيناً تَامَّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأدائِهِ ؟ وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ .
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ »
فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيءٍ . وَذَكَرَ أنَّ الكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضَاً ، وَأنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ .
« وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » .
وإنَّ القُرآنَ ظَاهِرُهُ أنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ ، لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ وَلَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ ؛ وَلَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلَّا بِهِ « 2 » .
هامش
( 1 ) - « نهج البلاغة » الخطبة 17 ؛ وفي طبعة مصر وتعليق الشيخ محمّد عبده . ج 1 ، ص 54 .
( 2 ) - « نهج البلاغة » الخطبة 18 ؛ وفي طبعه مصر بتعليق الشيخ محمّد عبده . ج 1 ، ص 55 .