على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه ، كما في قوله تعالى .
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ .
« 1 »
ولا منافاة لذلك أن يكون المستثنى من جملة
ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
نفس الراسخين في العلم ، إذ لا منافاة بين أن تدلّ هذه الآية على شأن من شؤون الراسخين في العلم ، وهو الوقوف عند الشبهة والإيمان والتسليم في مقابل الزائغين قلباً ، وبين أن تدلّ آيات اخر على أنّهم أو بعضاً منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته على ما سيجيء بيانه . « 2 »
نعم ، لقد كان هدفنا من الاستشهاد بهذه الآية المباركة أنّ مخالفة حقيقة القرآن أمر لا ينحصر بالمشركين والمخالفين ، فقد نزلت هذه الآية في شأن المسلمين فقسّمتهم صنفَين ، أوّلهما مؤمن ملتزم يسلّم بالحقّ ، وثانيهما متمرِّد يسعى للفتنة ويتعقّب المسارات المنحرفة الملتوية ويقبع كامناً في الزوايا ، مبتعداً على الدوام عن الصراط المستقيم والطريق القويم ، فهؤلاء منحرفون في خطّ سيرهم النفسيّ ، وهم موجودون في كلّ زمان ومكان ، شأنهم ودأبهم التصيّد في الماء العكر ، يميلون مع الريح حيثما مالت وينعقون مع كلّ ناعق ، ويمدّون رؤوسهم في كلّ مخلاة ، ويمرّون على كلّ معلف ، ويعيشون كالعلق على امتصاص دماء الآخرين وإزهاق أرواحهم ، ويديمون حياتهم عبوراً على أجساد المظلومين ودماء المحرومين .
هامش
( 1 ) - الآيتان 26 و 27 ، من السورة 72 . الجنّ .
( 2 ) - « الميزان في تفسير القرآن » ج 3 ، ص 26 و 27 .