فإذا لم تكن نفوس النِّساءِ قابلةً لأن تُشاوَرَ فكيف تُجعل مركزاً للحكم والقَضاءِ وتَستدعي غيرَها للمشاورة ؟
قال الشَّيخ محمَّد عبدُه عند شرح قوله عليهالسَّلام : « فإنَّ الْمَرْأةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ » : « أين هذه الوصيَّة من حال الَّذين يَصِرفُون النِّساءَ في مصالح الامَّة بل ومن يختصُّ بخدمتهنَّ كَرامةً لهنَّ » « 1 » .
أقول : وبالتَّأمُّل الدَّقيق أيضاً في قوله عليهالسَّلام بعد ذلك :
« وَلَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا ، وَلَا تُطْمِعْهَا في أنْ تَشْفَعَ بِغَيْرِهَا » « 2 »
، ما يدلُّنا على المقصود .
وبالجملة إنَّ في المرأة حالَة رقَّةٍ ولطفٍ وإحساسٍ وانفعالٍ مرتكزٍ في النَّفس ، كما أنَّ خلقَتها الطَّبيعيَّة جُعلت للانفعال بالتَّأثُّر من النُّطفة وقبولها .
وهذه الرُّوحيَّة الانفعاليَّة تُنافي وتُخالف ما هو محتاج إلى فعلٍ قويّ وتأثيرٍ شديدٍ ؛ كما في الحاكم والقاضي ؛ وقد عرفتَ وصيَّة أمير المؤمنين عليه السَّلام للأشتر في كتابه إليه :
« ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أفْضَلَ رَعِيَّتِكَ في نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الامُورُ ، وَلَا تُمْحِكُهُ الْخُصُومُ ، وَلَا يَتَمادَى في الزَّلَّةِ ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إلَى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ على طَمَعٍ ، وَلَا يَكْتَفِي بِأدْنَى فَهْمٍ دُونَ الْخَصْمِ ، وَأصْبَرَهُمْ على تَكَشُّفِ الامُورِ ، وَأصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إطْرَاءٌ ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إغْرَاءٌ ؛ وَاولَئِكَ قَلِيلٌ » .
ولعمري هذه الوصيَّة تليق أن تُكتب بالنُّور على أحداق الحُور ، لا بِالحبر على الأوراق ، ولا بالتِّبرِ على الأشْفَاق .
هامش
( 1 ) تعليقة عبدُه ص 56 من باب الكتب من « النهج » .
( 2 ) ورد في ضبط ابن أبي الحديد : في أن تشفع لغيرها باللَّام . « شرح ابن أبي الحديد » ج 16 ، ص 122 ، بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم .