إن عملية التغيير التي قام بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معجزة من معجزاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، يتعزز بها إيمان المسلم المؤمن برسالته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وتكون حجة على غير المؤمن به ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهي بين هذا وذاك مثال يحتذى لأي قائد يريد أن يؤسس أمة ويسوسها ، ويبني مجتمعاً فاضلًا صالحاً ، كذاك الذي أقامه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المدينة ، ولم يشهد له التأريخ مثالًا ، فلم نسمع أن أحداً سرق ، أو قتل ، أو زنى ، ولا أي انحراف آخر إلا ما ندر ، إذ لا يُتصور في تلك الفترة القصيرة أن يصل كل المجتمع إلى درجة التكامل المنشود ، أما السمة الغالبة فهي الأخوة ، والتآلف ، والتكامل ، والإيثار ، والسمو عن الماديات ، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الله والمبدأ الذي آمنوا به .
إن نظرة واحدة تقارن بين حالي العرب قبل الإسلام وبعده يكفي لمعرفة عظمة النقلة الكبيرة التي عاشتها الأمة ، مما يعكس الإعجاز في العلاج والمعالج ، أما العلاج فهو القرآن الكريم ، هذه الوصفة الإلهية التي وهبها خالق البشر لهذه المخلوقات البائسة التائهة المنحرفة ، التي تعاني الآلام والمصاعب والمآسي ، بسبب ابتعادها عن الله سبحانه ، والمعالج هو رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛ المعجزة في أخلاقه وسلوكه ونموذج التربية الإلهية ( أدّبني ربي فأحسن تأديبي ) ، ولقد تناولنا الجهة الأولى في كتاب ( شكوى القرآن ) ، أما الثاني فهو ما سنحاول عرضه بمقدار ما يوفق الله سبحانه في هذه الكلمات .
ولنستمع الآن إلى بعض النصوص التي تصف حال العرب قبل الإسلام وبعده ، قال الله تعالى :
( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها )
( آل عمران : 103 ) ، وقال تعالى :
( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
( الأنفال : 26 ) ، وقال تعالى :