وَقَرَّبْتَهُمْ ، وَقَدَّمْتَ لَهُمُ الذِّكْرَ الْعَلِيَّ وَالثَّناءَ الْجَلِيَ ، وَأَهْبَطْتَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَتَكَ وَكَرَّمْتَهُمْبِوَحْيِكَ ، وَرَفَدْتَهُمْ بِعِلْمِكَ ، وَجَعَلْتَهُمُ الذَّريعَةَ إِلَيْكَ وَالْوَسيلَةَ إلى رِضْوانِكَ ) .
يخاطب الدنيا
( يا دنيا غرّي غيري ، طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ) « 1 »
، يدخل بيت المال فيوزع كل ما فيه ويصلي فيه ركعتين ، ويخرج ويقول ما مضمونه : والله ما كنزت من دنياكم ، ولا أعددّت لبالي ثوبي طمراً « 2 » ، ولو خرجت منكم بغير الرداء الذي جئتكم به من المدينة لكنت خائناً . رقّع مدرعته حتى استحيا من راقعها « 3 » ، وكيف يغتر بالدنيا وترنوا عينه إليها أو يطمع في شيء من حطامها وبين يديه قوله تعال :
( وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ، وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )
( الزخرف : 33 - 35 ) بل إن ابن أبي طالب لا يرضى بالآخرة ثمناً . يقول بعض أهل المعرفة :
( إن الدنيا حرام على أهل الآخرة ، والآخرة حرام على أهل الدنيا ، والدنيا والآخرة حرامان على أهل الله ) « 4 »
وعلي ( عليه السلام ) من أهل الله ، فهل تتوقع أن تشغله لذّات الآخرة من لحم طير وحور عين فضلًا عن لذات الدنيا عن
( رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
( التوبة : 72 ) ؟ ومن الوضوح الذي لا يحتاج إلى بيان أن الدنيا التي أعرض عنها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إنما هي الدنيا المحللة لا المحرمة ، فإن ترك المحرمات أول مراتب العصمة التي هي من شروط إمامتهم .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 4 / 17 من كلماته وحكمه ( عليه السلام ) .
( 2 ) نهج البلاغة : 3 / 70 ، من كتاب له ( عليه السلام ) إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري يزهده في الدنيا .
( 3 ) نهج البلاغة : 2 / 60 ، خطبة 160 .
( 4 ) عوالي اللئالي : 4 / 119 .