سجد النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال في سجوده : " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من
عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ( 1 ) ( 2 ) .
( 177 ) وقال ( صلى الله عليه وآله ) : " الدنيا والآخرة ضرتان بقدر ما تقرب من إحداهما
هامش
( 1 ) مسند أحمد بن حنبل ج 1 / 96 ، عن علي ( عليه السلام ) ان النبي ( صلى الله عليه
وآله ) كان يقول في آخر وتره : ( اللهم إني أعوذ . . الخ ) . وفي سنن ابن ماجة ، ج 2 ،
كتاب الدعاء ( 3 ) باب ما تعوذ منه رسول الله ( صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ) ، حديث : 3841
عن عائشة قالت : فقدت رسول الله ذات ليلة من فراشه . فالتمسته فوقعت يدي على بطن
قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول : ( اللهم . . . ) . ورواه في احياء العلوم
ج 1 ، في آخر الباب الثالث ، في أعمال الباطن في التلاوة . وفي روح البيان عند تفسير
سورة اقرأ . قريبا مما في المتن ، ورواه في المستدرك ، ج 1 ، كتاب الصلاة ، باب
( 39 ) من أبواب القراءة في غير الصلاة ، حديث : 2 ، كما في المتن نقلا عن عوالي
اللئالي .
( 2 ) وقد أشار إلى هذه المقامات أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في قوله : ( واتقوا
الله عباد الله وفروا إلى الله من الله ) فان معنى القرار إلى الله الاقبال عليه بالكلية ، وتوجيه
ذلك بوجوه ، فأولها الفرار من بعض آثاره إلى البعض . والثاني أن ينتهى إلى الصفات
فيفر من بعضها إلى البعض . والثالث أن يرتقى إلى الذات ، فيفر منها إليها . وقد جمع
النبي ( صلى الله عليه وآله ) هذه المراتب في هذا السجود ، فقوله : " أعوذ بعفوك من عقوبتك "
هو المرتبة الأولى ، لان العفو والعقوبة من أفعاله . ثم ترقى منها إلى ملاحظة الصفات
فقال : " أعوذ برضاك من سخطك " وهي المرتبة الثانية ، لان الرضا والسخط صفتان من
صفات الله تعالى ، ثم فنى عن المقامين إلى ملاحظة الذات واقترب إلى مشاهدة
الوحدة الحقيقية ، فقال : " أعوذ بك منك " فرارا منه إليه ، وذلك هو المرتبة الثالثة ،
وهو مقام الوصول إلى ساحل بحر العزة . ولما كانت درجاته لا تنتهي زاد القرب حتى
ارتقى من مراتب السير إلى الله إلى مرتبة السير فيه ، فقال : " لا أحصى ثناء عليك " وهو
مقام حذف نفسه عن درجة الاعتبار ، وهو مقام الفناء . ثم قال بعد ذلك : " أنت كما أثنيت
على نفسك " تكميلا للاخلاص وتجريدا له عن شوائب الغريبة ، وهو مرتبة البقاء بعد الفناء
فيه ( معه ) .