وإنما هم أناس عاديون كبقية أفراد المجتمع ، ويوجد كثير غيرهم ممن استوعب الرسالة وجسَّدها في حياته خيراً منهم ، وقد كانوا يعترضون على رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته ويتمردون على أوامره « 1 » حتى آخر حياته ؛ بتخلفهم عن جيش أسامة « 2 » ، وعدم تلبية أمره صلى الله عليه وآله حينما طلب قرطاساً في رزية يوم الخميس « 3 » .
وكانت الجاهلية تعيش في نفوسهم ، حيث قضوا أكثر أعمارهم فيها ، وقد كشف عن عدم أهليتهم جهلهم وتخبّطهم في الأمور ، ويصف أمير المؤمنين إمرتهم المنحرفة في الخطبة الشقشقية :
« فَيَا عَجَباً ، بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ - لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا - فَصَيَّرَهَا في حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا - أي تجرح جرحاً عظيماً - ، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا ، وَيَكْثُرُ العِثَارُ فِيهَا وَالاعْتَذَارُ مِنْهَا ، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ ، إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ ، فَمُنِيَ النَّاسُ - لَعَمْرُ اللهِ - بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ
- وهو إباء الفرس عن ركوب ظهره - ،
وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ - أي سير غير مستقيم - » « 4 » .
حتى قال الثاني : ( كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال ) « 5 » بعد أن نهى عن زيادة المهر عن حد معين ، فأجابته امرأة : أما سمعت قوله تعالى :
( وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً )
( النساء : 20 ) .
هامش
( 1 ) راجع هامش ( 4 ) ص 188 ، والهوامش ص 189 .
( 2 ) السيرة النبوية لابن هشام : ج 4 / أمر الرسول بإيفاد بعث أسامة .
( 3 ) راجع هامش ( 1 ) ص 189 .
( 4 ) شرح النهج لابن أبي الحديد : ج 1 شرح الخطبة الشقشقية .
( 5 ) الغدير : المجلد الأول ص 182 والمجلد السادس ص 98 .