تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه المشاركة في السلطة — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
من بعده . احذر فقد نبئت . بادر فقد أجلت . إنك تعامل من لا يجهل . وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل . تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد . ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك ويرد إليك ما عزب من دينك وذكرت قول الله تعالى في كتابه :
( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )
. أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب « 1 » . أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرتَ خيراً أهملوه وعلمت شيئاً جهلوه ، بل حظيت بما حل من حالك في صدور العامة وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك . إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ، ومنهم أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره . فالله لنا ولك وهو المستعان .
هامش
( 1 ) الأعضب : المكسور القرن . ولعل المراد : بقيت كأحد قرني الأعضب . عن هامش محقق التحف ، أقول : لعل المراد من التشبيه هو الشؤم لأن العرب كانت تتشاءم من الثور الأعضب قال الكميت بن زيد في وصف عدم تأثره باهتمامات عامة الناس وعاداتهم ( ولا السانحات البارحات عشيةً أمرَّ سليمُ القرن أم مرّ أعضبُ ) والأشعار في هذا المعنى كثيرة .