إنّ منهج تفسير القرآن بالقرآن هو المنهج الأكمل والأتمّ الذي ينبغي أن يُسلك في تفسير القرآن ، بل لا طريق أمامنا سوى الالتزام به « 1 » فإن القرآن يفسّر بعضه بعضاً ، ويُصدّق بعضه بعضاً « 2 » ، ويشهد بعضه على بعض « 3 » ، وقد
هامش
( 1 ) لا ريب أن منهج تفسير القرآن بالقرآن من أقدم وأجود المناهج المتداولة عند المفسّرين ، وأنّه لا ينبغي الإغفال عنه ، ولكنّ الالتزام به دون غيره من المناهج الأُخرى دعوى يصعب الالتزام بها ، وإنّ ما ذُكر في إثباتها من أدلّة مختلفة لا تُوجب القطع أو الاطمئنان بذلك ، فهي أدلّة تمثّل فهماً وقراءةً لبعض النصوص القرآنية المصحوبة ببعض المقدّمات العقلية التي حصل فيها - بحسب فهمنا - بعض الخلط بين مسألة الهداية ومسألة التفسير ، فضلًا عن إمكان سَوق جملة من الاعتراضات والإشكالات والنقوض حول هذا المنهج إذا ما اخذ بمعزل عن المناهج الأُخرى والتُزم به ، لاسيّما وإنّ من لوازم هذا المنهج أنها تفيد بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام - فضلًا عن العلماء والمتعلّمين - ليسوا بمفسّرين للقرآن الكريم وإنّما هم مجرّد معلّمين للقرآن ؛ لأنّ القرآن الكريم لا يحتاج إلى مفسّر ، فهو يفسّر بعضه بعضاً وفقاً لما يراه أصحاب هذا المنهج ؛ قال تعالى : . . . وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . . . النحل : . ومعنى كونه مبيّناً هو أنّه صلى الله عليه وآله معلّم ومشخّص لمصاديق الآيات القرآنية التي تفسّر بعضها بعضاً ، مع أنّه لا توجد ولا رواية واحدة مرويّة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أو عن أهل البيت عليهم السلام تصرّح بأنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً أو تشير إلى ذلك .
وعلى أيّ حال ، فإنّ الردّ على هذه الدعوى ومناقشة أدلّتها يحتاج منّا إلى إفراد مساحة ليست قليلة ، يقصر المقام بها ، بل يحتاج الأمر إلى إفراد رسالة منفصلة لبيان ما عليه الموقف والحال في حقيقة أصل المناهج وما ينبغي الالتزام به وكيفية تحديد المنهج التفسيري ، وفي أيّ مرحلة من مراحل العملية التفسيرية يتمّ تصويب المنهج ، وما هي الأطراف المصوّبة له ، هذا ما نأمل الوقوف عنده في وقت لاحق .
( 2 ) ( ) عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال :
( إن القرآن ليصدّق بعضه بعضاً فلا تكذّبوا بعضه ببعض ) .
انظر : كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال للعلامة علاء الدين علي المتقّي بن حسام الدين الهندي : ج 1 ، ص 619 ، ح 2861 .
( 3 ) نهج البلاغة ، تحقيق الشيخ محمد عبده : الخطبة رقم 133 . .