والمحصّل من مجموع ذلك كلّه هو أننا يجدر بنا التدبّر في هذه الآية الكريمة بما ينسجم مع معطياتها النظرية والعملية ، فإن المراد الجدِّي للشارع المستفاد من تلك النصوص هو الأخذ بمعطياتها الثنائية ، وهذا الأخذ الثنائي يمثّل الترجمة الفعلية لقانون العلاقة المتبادلة بين العلم والعمل على الصعيدين الفردي الخاصّ والاجتماعي العامّ ، فالمسلم الحقّ يؤثّر في أُمّة ، والمتأثّر بمعطيات آية الكرسي والمُجسّد لحركتها الثنائية سيكون قوله وفعله ومجموع سلوكه مؤثّراً في مُحيطه ومجتمعه ، وهذا هو معنى انتشار البركات في خلقه سبحانه ، وعندئذ يتحقّق الهدف الأكبر الذي يتنافى مع بعض الثقافات الحديثية المنتشرة والمتمركزة في ذاكرة الكثيرين ، ونعني بذلك ثقافة الحفظ المجرّد ، والتي تُفسّر في ضوئها جملة من الروايات من قبيل قوله صلى الله عليه وآله : ( إنَّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنّة ) « 1 » ، وهكذا في قول أمير المؤمنين علي عليه السلام : ( إقرأ وارقَ ) « 2 » .
فإن من السذاجة بمكان أن يكون مجرّد القراءة أو الحفظ مُوجباً لدخول الجنّة ونيل المراتب العليا ، فإن الصحيح هو مقدار ما تحقّق به القارئ وتدبّر ، ولا ينبغي الإغفال عن كون التدبّر القرآني لا يقتصر على التفكير والتفكّر ، وإنما يشمل العمل بذلك ، ولذلك فمن لم يتحقّق بآية قرآنية سوف يجد نفسه مُبعداً وناسياً للآية التي طالما قرأها ، بل إنه سوف يجد نفسه في ذلك المقام وكأنه يسمعها لأوّل مرة ، فإن السمع الفعلي هو ما يسمعه القلب لا الأُذن ، وهذا لا يمنع وجود الفضل والأجر لمن قرأ القرآن وحفظه ، ولكنه غير مقصود
هامش
( 1 ) انظر : توحيد الصدوق : ص 194 ، ح 8 . وأيضاً : صحيح البخاري : ج 3 ، ص 185 .
( 2 ) نصّ الحديث :
( واعلم أنَّ درجات الجنة على عدد آيات القرآن فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن : اقرأ وارق ، فلا يكون في الجنّة بعد النبيّين والصدّيقين أرفع
درجة منه ) . انظر : من لا يحضره الفقيه : ج 2 ، ص 628 . .