أن نُلفت النظر إلى واقع حالٍ لم يجرؤ كثيرون على بيانه ، أو بيان خلفيات حصول هذا الواقع رغم المحاولات الكثيرة والجادّة التي اضطلع بها أعلام الفريقين معاً .
إنّ عدم التوحيد بين معطيات التفسير المُفرداتي والجُملي والموضوعي والتأويلي يعني الخروج عن حريم النصّ ، ولذلك نجد أن الجدلية القائمة بين هذه الحلقات الأربع ضرورة حتمية في رسم ملامح العملية التفسيرية ، بل إن المنهجية التحقيقية التي تُخرج المُفسّر عن قارعة التفسير بالرأي تكمن في مُراعاة هذه الجدلية ، ودونها لا مُحالة من التعرّض إلى مهالك التفسير بالرأي .
فإذا ما انطلق المُفسّر إلى فضاء الجملة القرآنية وهو لم يسبر غور المفردة بعد فإنه سوف يعيش إرباكات حقيقية وترتسم في ذهنه صور مُشوّهة يظنّ أنها هي الحقّ ، ولكنها مجرّد تداعيات أو هي : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ( النور : 39 ) ؛ إنها نتيجة مؤلمة نحتاج أن نقف أمامها بشجاعة وصلابة ، نُفتّش في أسبابها ونُحقّق في سُبل حلِّها ، ولا ريب بأنها مُهمّة صعبة ، بل وعسيرة أيضاً ، ولكنه أمر لا بدَّ منه .
والواقع المعرفي المرير هو أننا لم نعرف بعد أنَّ البناء الدلالي للمُفردة هو أعمق بكثير من الظاهر اللغوي لها ، فهو أشبه ما يكون بالمفاد الاصطلاحي لأيّ مفهوم ، إنها نتيجة خطيرة وعظيمة أن يكون التعاطي مع المُفردة القرآنية في ضوء الاصطلاح لا في ضوء المفاد اللغوي فحسب ، نتيجة تجعلنا نتعاطى مع العملية التفسيرية بأبجدية جديدة ترسم لنا واقعاً جديداً وآفاقاً رحبة نباتها غضّ وقُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ( الحاقّة : 23 ) ، تلك الجذور والظروف الموضوعية التي نبتت فيها المفردات القرآنية تمثّل لنا أرضيّة الحركة باتّجاه الأصل . وقراءة الواقع الذي نحن عليه الآن يمثّل لنا حدود وجدوائية الاستعمال ومساحات الحركة باتّجاه المعاني الأُخرى التي لا تتقاطع مع الجذر البتّة ولا تخرج عن طولية القدر
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 252
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٥٢