رمزية كُبرى في أروقتهم المعرفية ، حيث كانوا يُشيرون إلى العالم الآخر بالغرب ، ويتعاطون معه بصورة مزجية بين الأُمور الحسّية المتمثّلة بتحنيط موتاهم
وبتزويدهم بالطعام والملبس والخدم ، وبين الأُمور الغيبية المتمثّلة بعودة الروح واستئناف حياة أُخرى تُناسب عالم الغرب .
لكن مفهوم الرمزية لم يُتداول كاصطلاح ثم تبلوره إلى مدرسة ومذهب فكري وأدبي إلّا في عصور متأخّرة « 1 » ، وسيأتي توضيح لهذه التأريخية عما قريب .
إن الرمز بقدر ما يُشكّل مُعطى معرفياً عظيماً لا يُمكن التخلف عنه ، يُشكّل أيضاً ظاهرة خطيرة يُمكن من خلالها تبرير انحرافات وضلالات ، وما نجده من سَوق عصا الرمزية في توجيه معظم النصوص الدينية القديمة توراةً وإنجيلًا ما هو إلا من هذا القبيل ، ولذلك ينبغي التشديد على كون توخّي بُعد الرمزية في النصّ الديني عموماً والقرآني خصوصاً لابدّ أن يخضع لضوابط رصينة ودقيقة ، لكي لا يُقال بأن فكّ رمزية النصّ القرآني باب مُشرع لا يعتمد ضابطاً مُعيّناً .
ولا ريب بأن هذه الإشكالية تتعمّق أكثر عندما تدخل الاتّجاهات في بُعدها التأويلي في تطويع دوائر الرمزية لتمرير أهدافهم القبلية ، فيعود إشكال التوراتية والإنجيلية من رأس .
وعليه فالرمزية ليست أُفقاً رحباً لكلّ قارئ البتّة ، وإنما هي مرحلة مُتطوّرة نتائجية توجيهية أعلائية تقع في طولها حلقات غير قليلة من التفحّص والدراية بمجريات العملية التفسيرية ، فالرمزية بكلمةٍ مختصرة - في أُفق
هامش
( 1 ) لم يُعرف المذهب الرمزي بخصائصه المتميزة إلا عام 1886 م ، حيث يُنقل بأن روّاد الرمزية المتأخّرين ( عشرين كاتباً فرنسيًّا ) أصدروا بياناً نُشر في إحدى الصحف يعلن للعالم ولادة المذهب الرمزي مع بيان خصائصه ، ثم تطوّر الأمر لتغزو الرمزية مختلف الفنون . .