له بشئ من أخيه فلا تأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار " ( 1 ) ( 2 ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب الأحكام ، باب موعظة الامام للخصوم . وسنن ابن ماجة
ج 2 ، كتاب الأحكام ( 5 ) باب قضية الحاكم لا تحل حراما ولا تحرم حلالا ، حديث 2317 .
( 2 ) اللحن بالحجة : إظهارها ، والقدرة على التعبير عن المراد بالعبارات المرجحة
لقوة الدعوى . وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وآله إنما يحكم في حقوق
الناس بعضهم على بعض ، بالبناء على الظاهر ، وانه لا يجب أن يحكم بعلمه ، فيحملهم
على الأمور الباطنة ، والا لفسد النظام الاجتماعي ، ولكن ذلك الحكم لا يوجب تحليل ما
هو محرم . فغير المحق لا يجوز له أن يأخذ ما ليس له بحق الحاكم ، وإلا لكان
مأثوما معاقبا ، بل ظاهر الحديث يقتضى ان ذلك من الكبائر ( معه ) .
( 3 ) أقول : تحرير الخلاف في هذه المسألة ، هو أن ظاهر الأصحاب الاتفاق
على أن الإمام عليه السلام يحكم بعلمه مطلقا ، لعصمته المانعة من تطرق التهمة ، وعلمه
المانع من الخلاف .
والخلاف في غيره من الحكام ، والأظهر عندهم أنه يعمل بعلمه مطلقا وادعى
السيد عليه اجماع الطائفة وقال : انه من متفرداتهم من بين علماء الاسلام .
وقيل : لا يجوز مطلقا . وحكوه عن ابن الجنيد ، بل الذي حكاه عنه المرتضى ،
انه عمم القول في الامام وغيره ، وقال ابن إدريس : يجوز للحاكم العمل بعلمه في حقوق
الناس دون حقوق الله . وحكى عن بعض القدماء ، العكس . فهذا خلاصة تحرير الخلاف
في المسألة .
قال شيخا الزيني عطر الله مرقده : وأصح الأقوال جواز قضاء الحاكم مطلقا ، لان
العلم أقوى من الشاهدين لأنهما يفيد الظن .
والعلامة في المختلف وغيره في غيره ، استدلوا على رد قول ابن الجنيد في تعميمه
الحكم بالامام بحكاية الاعرابي الذي ادعى على النبي صلى الله عليه وآله : سبعين
درهما ثمن ناقة باعها منه ، فقال عليه السلام : " قد أوفيتك " فقال الاعرابي : أجعل بيني
وبينك حكما يحكم بيننا ، فحكما أبا بكر ، فطلب البينة عن النبي صلى الله عليه وآله ، ثم أتى علي ( ع )
فحكماه في تلك القضية ، فقال يا أعرابي أصدق رسول الله صلى الله عليه وآله فيما قال : إنه أوفاك
السبعين الدرهم ؟ فقال : لا ، فأخرج سيفه فضرب عنقه ! فقال : يا رسول الله
نحن نصدقك على امر الله ، والجنة والنار والوحي ، ولا نصدقك في ثمن ناقة هذا
الاعرابي . فقتلته لما كذبك . فقال : أصبت يا علي ، فلا تعد إلى مثلها ثم التفت إلى أبي
بكر وقال هذا حكم الله لا ما حكمت
وروى الشيعة واقعة مثلها لعلي عليه السلام ، وانه قتل أعرابيا تداعى معه صلى الله
عليه وآله على ناقة اشتراها النبي منه
ويمكن أن يقال في وجه الجمع بين أخبار هذا الباب ، ان علم الحاكم سواء
كان الامام أو غيره ، إن كان مستندا إلى العلم بالاقرار أو الشهود أو الأمارات الشرعية
المتعاضدة ، حتى أفادت العلم جاز له العمل بها ، بل وجب عليه لما ذكر . اما لو كان
مستندا إلى العلم الإلهي والالهام النبوي فيمكن أن يقال : ان العمل به غير واجب ،
ويحمل حديث الكتاب عليه . وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم من أحوال المنافقين وغيرهم
ما يوجب عليهم الحدود والقتل ، وكان يتوعدهم بعلمه ، وما عمل معهم ما يقتضيه علمه
بل كان يعنف شهود الزنا وغيرهم ، ويأمر بستر الزنا وغيره ، ويعنفهم على الاقرار ، وما
خفى عليه صلى الله عليه وآله ما عرفه الشهود ، بل كان يأخذ الناس ويحملهم على العلم الظاهر المستند
إلى البينات والشهود ، وكذلك أخوه وباب مدينة علمه سلام الله عليه .
نعم كان يتوصل بدقيق الفكر إلى إظهار الوقايع التي يعلمها سرا ، حتى يظهر
للناس ويتوافق العلم الظاهر والباطن .
وأما حكاية الاعرابي وقتل علي عليه السلام له ، فهو قد صرح بأنه قتله ، لتكذيبه
النبي صلى الله عليه وآله وكل من كذبه وجب عليه القتل ، وهذا مما لا دخل له في الدعاوى ، لأنه
عليه السلام لم يقتصر على أخذ الناقة والثمن من الاعرابي . نعم لو كانت هذه هي المقدمة
مع غير النبي من أحاد الناس لصحت دليلا على المدعى .
وأيضا قد روى في الأخبار الصحيحة أن مولانا المهدى سلام الله عليه إذا ظهر
حكم بحكم آل داود ، ولا يسأل بينة ، بل يعمل بما يعلمه ، وهذا الحكم من خواصه
وأيضا جاء في الحديث ما روى عنه صلى الله عليه وآله في قضية الملاعنة ( لو كنت راجما
من غير بينة لرجمتها ) ( جه ) .