كان عليه السلام بصدد الإخبار لا الإنشاء .
لا ينبغي الإغفال عن كون المُصاب بالعمى أو متعلّق العمى إنّما هو عين القلب لا العين الباصرة ؛ لأنّ الباصرة قاصرة عن أصل الرؤية ، إذ غاية ما تصل إليه لا يخرج عن سقف الحصول ، والمرئيّ المراد إبصاره داخل في سقف وحاضرة الحضور والشهود ، وأين الحصول من الحضور ؟ !
ولذلك فإنّ الأعمى في المقام هو أعمى البصيرة لا البصر ، وهذا ما أشار إليه المولى جلّ ذكره في قوله المبارك : فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 1 » ، وأيضاً قوله المبارك : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى « 2 » .
إنّ الإنسان الأخروي يأخذ صورته الباطنية لا الظاهرية في الدُّنيا ، وحيث إنّه كان أعمى البصيرة فكذلك يُحشر .
وهكذا في قوله تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ « 3 » ، فإنّه لا يُراد به العمى والإبصار الظاهريّان بل يراد إبصار الحقّ والعمى عنه .
يقول الشيخ الطوسي في ذيل هذه الآية : « معناه لا يستوي الأعمى عن طريق الحقّ والعادل عنها ، والبصير الذي يهتدي إليها قطّ » « 4 » .
هامش
( 1 ) الحجّ : 46 .
( 2 ) طه : 126 125 .
( 3 ) فاطر : 19 .
( 4 ) التبيان في تفسير القرآن ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي ، نشر مكتبة الإعلام الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1409 ه : ج 8 ص 423 .