كونه برمّته مظهراً لله سبحانه ، فالظاهر هو سبحانه لا غير ، فمن أكمل جميع مراسم الفناء فيه سبحانه وأدركته الرحمة بالصحو بعد المحو صار الناظر والمنظور في وجوده الحقّي واحداً ، والظاهر والمظهر صفحة واحدة لا غير تُقرأ بنحوين ، ومن
هنا ندرك عمق مقولة خالدة للإمام جعفر الصادق عليه السلام : « العبودية جوهرة كُنهها الربوبية » « 1 » .
وفي ضوء ذلك يتّضح لنا جليّاً مراد الشهيد السبط الإمام الحسين عليه السلام صاحب أكبر ملحمة عرفانية عملية عرفها الوجود قد جسّدها في أرض كربلاء ، حيث يقول : « أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المُظهِر لك ؟ ! متى غبتَ حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ؟ ! ومتى بعُدتَ حتّى تكون الآثار هي التي تُوصل إليك ، عميتْ عينٌ لا تراك عليها رقيباً » « 2 » .
وهنا نودّ الوقوف قليلًا عند كلمته عليه السلام الأخيرة أعني : عمِيَتْ عينٌ لا تراكَ عليها رقيباً لإثارة بعض النكات واللطائف المهمّة والنافعة في المقام .
إنّ الإمام الحسين عليه السلام في مقولته هذه لم يكن بصدد الدُّعاء بالعمى على من لم يرَ الله تعالى ، وإنّما كان عليه السلام بصدد الإخبار عن عمى العيون التي لا ترى الله سبحانه ، وإلّا فإنّه عليه السلام يعلم حقّاً أنّ الذي لا يرى الله تعالى عينه عمياء ، فلا معنى للدُّعاء عليه لأنّه تحصيل للحاصل ، ولذلك
هامش
( 1 ) ميزان الحكمة ، مصدر سابق : ج 3 ص 1798 ح 11617 .
( 2 ) من دعاء عرفة للإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام .