جديرٌ بالذِّكر أنّ الخروج من عالم المادّة بالسفر الأوّل هو تعبير آخر عن
إرجاع الحاكمية الأولى إلى وضعها وإلغاء الحاكمية العرضية المجازية التي أبعدت الإنسان عن نوره الأوّل .
فالإنسان بطاعته لغرائزه وشهواته وأوهامه وتخيّلاته التي يطلق عليها قوى النفس أيضاً يكون قد حكّم ما من شأنه أن يكون محكوماً وطوّع ما من شأنه أن يكون حاكماً .
بعبارة أخرى : إنّ الإنسان في سيره المتدنّي في عالم المادّة والنقص وصدق تبعيّته له يكون قد أبدل مادّة ومضمون السفر الأوّل ( من الخلق إلى الحقّ ) بمادّة أخرى هي ( من المادّة إلى المادّة بالمادّة ) ، وهذا السفر المادّي المحض هو في قبال السفر الثاني الحقّي ( من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ) . فإذا كان المراد من قولهم ( بالحقّ ) هو كون السالك قد صار وجوده حقّانياً لا شركة للشيطان فيه ، وخلوّ حريم قلبه من الشوب والكدر ، فإنّ ما يمكن أن نستفيده من اصطلاحنا الجديد ( بالمادّة ) هو أنّ السالك في عالم النقص سوف يكون وجوده ظلمانياً لاسيّما في صورة إدمان السير المادّي ، فتلك الظلمة الحالكة تقوّمت بمجموعة نقاط سود أوجدتها ذنوب مختلفة في الكمّ والنوع ، وهذا ما عُبّر عنه روائياً بالنكتة السوداء .
عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : « إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء ، فإذا تاب انمحت
، وإن زاد زادت حتّى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً » « 1 » .
وغلبة النكتة السوداء على القلب هي ما عبّرنا عنه بحاكمية الظاهر على
هامش
( 1 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 271 ح 13 .