والباطل ؟ فقال عليه السلام : « يا أخا أهل الشام ! بين الحقّ والباطل أربع
أصابع ، ما رأيت بعينك فهو الحقّ ، وقد تسمع بأُذنيك باطلًا كثيراً » « 1 » .
إنّ من يعتقد بأنّ ما أدركه عقلًا ببرهان قطعيّ هو نفسه المؤثّر في الوجود بوجوده الصوريّ ، فهو بطلان محض وشرك وكفر صراح . ومن أدرك أنّ المؤثّر هو الوجود الخارجيّ لا الصوريّ ولكن حدَّه بتلك الصورة والمعرفة المحدودة لجهله أو لقصور فهم فذلك فهم يشوبه باطل كثير . ومن أدرك حقيقة الوجود المطلق ولكنّه لم يخرج عن دائرة الإدراك نفسه ، فذلك فهم يشوبه باطل أيضاً .
ولذلك لا ضمانة للخروج من احتمالية شوب الباطل إلّا بتحقّق المعاينة والحضور ، وقد عرفت في أكثر من مورد أنّ المعرفة الحضورية هي معرفة قلبية لا بصرية ؛ فاحتاج الأمر إلى بصيرة لا إلى بصر فحسب ، وبذلك سنُدرك جيّداً معنى قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : « ألا إنّ للعبد أربعة أعين ، عينان يُبصر بهما أمر آخرته وعينان يُبصر بهما أمر دنياه ، فإذا أراد الله عزّ وجلّ بعبد خيراً فتح له العينين اللّتين في قلبه فأبصر بهما الغيب ، وإذا أراد غير ذلك ترك القلب بما فيه
. . . » « 2 » .
فإذا ما كان المقصود من الحقّ في حديث الشامي هو الله تبارك وتعالى ، فلا ريب أن يكون المراد من العين هو خصوص عين القلب ، فإن أبصر بها العبد كان ممّن أراد الله تعالى به خيراً وإلّا فلا ، وفقاً لمقتضى قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .
هامش
( 1 ) تحف العقول ، مصدر سابق : ص 229 .
( 2 ) التوحيد للصدوق ، مصدر سابق : ص 366 ، ح 4 .