فإذا كانت العمليّة التفسيريّة تمثِّل نفس الكشف عن مقاصد ومرادات القرآن الكريم فإنّ المنهج التفسيري هو الهيئة التي يقع عليها ذلك الكشف ، فإذا كانت الهيئة والكيفيّة علميّة بحثيّة تحقيقيّة فإنّ العمليّة التفسيريّة سوف تكون مُمنهجة ، وإلّا فهي مجرّد ركام معلوماتىّ لا يزيد الباحث والمتوغِّل فيها إلّا بُعداً عن هدفه المعرفي والعلمي الذي يصبو إليه من وراء العمليّة التفسيريّة « 1 » .
خامساً : لقد حاول جملة من أصحاب الفنّ في العلوم القرآنيّة أن يُقدّموا لنا دراسات جديدة في مناهج التفسير حرصت على ضبط المناهج التفسيريّة المعتمدة عند علماء التفسير . ولكن هذه الدراسات رغم جدّيتها وجدواها قد توهّمت في قضيّة مهمّة وهي حصر المناهج والاتّجاهات التفسيريّة بعدد معيّن أبرزوا فيها مقوّماتها ونماذجها الصادرة في ضوئها ، وهذا أوّل خطأ منهجيّ وقع فيه من صنّف في المناهج والاتّجاهات التفسيريّة . فإنّ المناهج التفسيريّة لا ينبغي حصرها بعدد معيّن إلّا من باب الاستقراء الناقص لما وقع منها دون الالتزام بالانتهاء عندها ؛ وبكلمة واحدة : لا يمكن عدّها وحصرها بما وقع منها ، وإلّا فإنّ جملة منها قد جاءت متأخّرة ، بل إنّ أكثرها لم يكن ملتَفتاً إليها .
بعبارة أُخرى : إنّ جملة من مفسِّري القرآن الكريم - إن لم يكن الأعمّ الأغلب منهم - يمارس العمليّة التفسيريّة دون أن يحدّد في رتبةٍ سابقة منهجاً تفسيريّاً معتبراً يعتمده في كشف معاني القرآن . فغاية ما عنده هو كمٌّ معلوماتيّ ينهل منه ما يحتاجه في ضبط مقاصد الكتاب دون أن يكون
هامش
( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 45 .