ألا ترى لو سألك المجنون أو الطفل - الذي ليس محلا للتكليف ومتعلقا لحكم
من الأحكام الخمسة باتفاق العقلاء والضرورة الدينية - إني هل أفعل الفعل
الفلاني أم لا ؟ تقول لا محالة : أنت مختار ، إن شئت افعل ، وإن شئت لا تفعل
بل لو سئلت أن الحمار بعد أكل الشعير هل يقوم أو ينام ؟ تقول : كل ما يريد .
وهذه الاختيارات أو مطلق العنانية إنما هي لأجل عدم الحكم ، لا لأجل
تعلق الحكم الشرعي
بل لو سئلت عن عمل شخص في زمان قبل البعثة الذي لا حكم ولا تكليف
فيه باعتراف الخصم ، وتخصيص زمان التكليف بأول البعثة إلى يوم الحشر ،
تقول : إنه مختار ، ومطلق العنان .
وقد ظهر مما ذكرنا : أنه لا دليل نقليا قطعيا أصلا على ثبوت التكليف وبقائه
في غير المعلومات .
وأما الدليل العقلي :
فليت شعري أي جهة عقلية تدل على وجود حكم
وتكليف في كل واقعة ، أو ثبوت حكم وتكليف وبقائه غير المعلومات ؟ ! وما
الضرر في أن الله سبحانه بين الحكم وقرره لبعض الافعال ولم يقرره لبعض
اخر ، كما أن الحديث المشهور ( اسكتوا عما سكت الله ) 1 وحديث ( وسكت )
عن أشياء ) 2 مصرح به ؟
والحاصل : أنه يمكن عقلا أن يكلف الله سبحانه عبدا أو جميع عباده بأمور ،
وقرر له أو لهم أحكاما معينة في أمور ، وسكت عن الباقي ، فلا يكون لهم في
الباقي تكليف ولا حكم أصلا
فان قلت : لا يخلو إما أن يعاقبه على فعل الباقي ، أو لا ، فعلى الأول يكون
حراما ، وعلى الثاني : إما أن يوجره بالفعل ، أو الترك ، أولا ، فعلى الأول يكون
مستحبا أو مكروها ، وعلى الثاني مباحا .
هامش
( 1 ) عوالي اللآلي 3 : 166 / 61 .
( 2 ) الفقيه 4 : 53 / 193 .