« إنّ الجنّة قيعان ، وإنّ غرّاسها سبحان الله » . . .
فالعقوبات الإلهيّة الواصلة إلى المجرمين كما أنّها ليست من باب الانتقام الواقع عليهم من منتقم منفصل مباين يوقع الآلام والشدائد عليهم ، ويوصل المكاره والمحن إليهم ، فكذلك ليست الآلام والمكاره أُموراً خارجة عن ذاتهم وصفاتهم ، مترتّبة عليها ، بل الأعمال القبيحة الواقعة منهم في الدُّنيا بواسطة ما في ضمائرهم ونيّاتهم صارت ملكة راسخة في نفوسهم ، وانحرفت بسببها فطرتهم الأصليّة ، توجب لهم تصوّرات باطلة وأفكاراً مؤلمة موحشة موجودة بوجود أخرويّ يناسبها ، فتطلع على أفئدتهم ما كان مستكنّاً فيها .
ولو تيسّر للشقيّ الفاجر أنْ يشاهد باطنه في الدُّنيا بنور البصيرة ، لرآه مشحوناً بأصناف السباع والشياطين وأنواع الوحوش والهوام ، مثل لغضبه وشهوته وحقده وحسده وعجبه وريائه ومكره وحيلته ، وهي لا تزال تفترسه وتنهشه ، إلّا أنّه محجوب عن مشاهدتها ، فإذا رفع هذا الحجاب وانكشف الغطاء ووضع في قبره عاينها « 1 » وقد تمثّلت بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها .
وعلى هذا القياس حكم الأعمال الحسنة الواقعة من أهل السعادة الأخرويّة المصوّرة في القيامة بصورة ملذّة حسان ، من حورٍ وغلمان ، وجنّةٍ ورضوان ، فإنّ حقيقة تلك الصور هي موجودة معه ، مختفية في باطنه ، وإنّما تصير حاضرة مشهودة له يوم القيامة بواسطة رفع الحجاب ؛ لقوله تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( السجدة : 17 ) » « 2 » .
هامش
( 1 ) * ( التكاثر : 5 - 6 ) .
( 2 ) تفسير القرآن الكريم : تأليف صدر المتألّهين محمّد بن إبراهيم صدر الدِّين الشيرازي ، الطبعة الثالثة ، 2001 م : ص 221 - 222 .