وهناك باب آخر يصلح للتسلّل المذكور ، وهو كثرة نفوس الإنسان ، حيث كان أحد اللوازم الباطلة ، والتي بموجب بطلانه يبطل التناسخ ، هو اجتماع نفوس متعدّدة على بدن واحد ، فإذا قبل بالنفوس الكثيرة للإنسان فلا مجال للقول ببطلان ذلك التلازم .
عمد المصنّف ( رحمه الله ) لمناقشة وحدة النفس وكثرتها ، فأبطل الكثرة التي تؤدّي إلى وجود نفوس متعدّدة للإنسان توجد له على نحو التجافي والانفصال ، وذهب إلى أنّها نفس واحدة ذات مظاهر وتجلّيات متعدّدة ، تسمّى بالقوى .
الخامس : ثمّ وفي ما تبقّى من فصول ، راح يعالج قضايا ذات مساس بما تقدّم ، عمّق ، وأوضح ، وأثبت ما مرّ عليه أصلًا موضوعاً .
ملاحظة وتنبيه
لمّا ذكرنا التناسخ كأمر لا يجوز على النفس ، لا يُراد القول بأنّ أصحابه يشتهون ذلك لأسباب ودوافع دنيويّة فاسدة ، كيف ومنهم إسلاميّون يستدلّون عليه بالكتاب والسنّة ؟
إنّما يُراد بيان لمّية هذا الامتناع بغضّ النظر عن أيّ دافع محتمل ، وبيان الشبهة التي دفعت هؤلاء إلى اتّخاذ التناسخ مذهباً ، سيّما أنّ البعض من أهل التناسخ يروم تفسيراً للعدل الإلهي ؛ إذ ما ذنب الحيوان مثلًا لأنْ يستخدم في إنجاز أفعال يناله بسببها المشقّة والمهانة ، ولِمَ يولد بعض الناس ناقصي الخلقة ، وسيّئي الأخلاق ؟ وكذلك تفسيراً لآيات وروايات تفصح عن مآل كثير من الناس قردةً وخنازير وصوراً غايةً في القبح والسوء .
وبالتالي فإنّ مسألة التناسخ ليست بهذه الدرجة من البداهة حتّى يبتّ بأمرها سلباً أو إيجاباً ، وقد أشار المصنّف ( رحمه الله ) إلى اعتياصها قبل أن ينبس ببنت شفة ، حيث قال : « اعلم أنّ هذه المسألة من مزالّ الأقدام ، ومزالق الأفهام . . . » .