الانغماس في الشهوات والملذّات فإنّه يحاول أن يخمد أيّ التفات إلى مسألة المعاد ، وذلك لما فيها من أثر إنْ لم يكن رادعاً ، لا أقلّ منغّصاً ، ومكدّراً . والخيّام بحسب ما يبدو من كثير من رباعيّاته منصرف عن التفكير في المعاد كلّياً ، فهو لا يريد أن ينغّص عليه شيء ما يراه لذّة ومتعة :
إلى مَ بهذا الحرص تقضي مدى العمرِ
وتصبح للإثراء والفقر في فِكْرِ
ألا اشْرب فعمرٌ سوف يعقبه الردى
حقيقٌ بأن تقضيه بالنوم والسُّكرِ
إنّ جهل الإنسان بحقيقته ، والاعتقاد بأنّها إنّما هي هذا البدن لا شيء سواه ، يورث الإنسان تشاؤماً ولوعةً تحرق الوجدان ، ويورث قولًا بعبثيّة الخلق البديع ، وهذا ما يبدو جليّاً لدى الخيّام ولدى فلاسفة أسّسوا الفلسفة على التشاؤم بناءً على هذه القاعدة .
فالخيّام يتمنّى لو كان العَودُ ممكناً كما هو حال الزهور تعود بعد ذبولها متألّقة الألوان ، فوّاحة الأرواح ، لكن - وبحسب زعمه - لا سبيل لذلك ، وهو أمرٌ يعتصر النفس ، ويسدّ عليها مسارب الأمل والتفاؤل :
ألا ليت الثواء يكون أو أنْ
يكون لنا انتهاءٌ في المسيرِ
وليت لنا وإنْ سلفتْ قرون
رجاءً أنْ سننبت كالزهورِ
وفي رباعيّة تضيق نفسه ذرعاً بالفناء ، فيزفر زفرة محرقة ، نارها عبثيّة الخلق ، إذ لا معنى لأنْ يوجِد الخالق خلقاً في غاية الإبداع ، ثمّ يعدم هذا الخلق البديع ، ويفنيه . فالسّكران الذي أخذت النشوة عقله - بحسب زعم الخيّام - لا يرى من
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 13
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٣