ومن المقولات الأساسيّة لصدر المتألّهين التي تدحض الاعتقاد السائد بأنّ القول الفلسفي مجرّد قول تجريدي لا صلة له بالواقع ومفصول عنه ، أنّ الإنسان لا يستطيع أن يترقّى في مدارج العلم بلا حواس ، وبلا ارتباط بالواقع ، وفي نظره أنّ هناك ارتباطاً أساسياً بين الواقع التجريدي وبين الواقع المادّي ، أي بين الواقع العملي والواقع النظري ، ولا يمكن للإنسان أن يجلس في بيته ويترقّى في مراتب الكمال بلا ارتباط بالواقع .
وبتعبير آخر : فإنّ الإنسان بحواسّه يرتبط بالواقع وحينئذ يستطيع أن يترقّى في مراتب الكمال ، وهذا ما جعل البعض يتصوّر أنّ مدرسة صدر المتألّهين هي مدرسة حسّية .
وكلّ من لم يلتفت إلى صدر المتألّهين وأنّه من أين يبدأ وأين يريد أن ينتهي ، يتصوّر أنّه حسّي ، باعتبار أنّ منشأ نظريّته أنّ النفس جسمانيّة الحدوث ، تبدأ من المادّة ، فإذن لابدّ أن يبدأ أيضاً من المادّة ، وهذا ما يثبت أنّ صدر المتألّهين يريد القول بأنّ العالم مجرّد ، عالم الكمال ، عالم التكامل ، عالم العلم . . . وبلا أن يبدأ الإنسان من المادّة فهذا غير معقول وغير ممكن .
فالعرفاء من أمثال الإمام الخميني قدس سره ، مع كونه حكيماً ، فيلسوفاً ، فقيهاً ، أصولياً ، متكلِّماً . . . فهو مؤسّس لثورة ، ومُقيم لدولة . . . وسبب ذلك ومنشأه أنّ الإمام الخميني عندما جاء إلى العرفان وإلى الفلسفة وإلى الكلام ، بل إلى القرآن والروايات الصادرة عن النبيّ صلى الله
عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وجدن بأنّ هذين الأمرين لا ينفصل أحدهما عن الآخر ، بل أحدهما مرتبط ارتباطاً عضويّاً بالآخر ، وهذا يشبه ما ذكرناه سابقاً في الحديث عن النفس والبدن وأنّهما حقيقة واحدة لها بُعدان : مادّي ومجرّد . ومعارف الإسلام كلّها قائمة على هذا ، أي على أنّ الإنسان فيه جانب مادّي
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية) — صفحة 287
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٧