فُرِض دونه فهو عين الفقر ، والفقير لا يملك شيئاً فيعطي غيره .
ولا مجال حينئذ للموافقة على ما ذهب إليه المشّاؤون بوجود علل متوسّطة ، لأنّ العلل المتوسّطة هي أيضاً عين الفقر والحاجة إلى الله سبحانه وتعالى ، وبناءً عليه فإنّ العلّة المباشرة لكلّ شيء هو الله تعالى ، وهو أيضاً الفاعل المباشر .
ولهذه النظريّة شواهد ومؤيّدات في القرآن الكريم ، ومنها قوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ *
. وهو نقض صريح لما تقوله النظريّة المشّائية التي صوّرت أنّ الله خلق العقل الأوّل ، والعقل الأوّل خلق العقل الثاني ، والثاني خلق الثالث . . . إلى أن وصلنا إلى العقل العاشر والعقل الفعّال الذي خلق المادّة . والتأمّل في الآية المباركة يفيد بأنّ الله خلق كلّ الأشياء .
وهذا لا يتنافى أبداً مع ما ورد في القرآن الذي ينسب التوفّي مرّةً إلى الله مباشرةً ، ومرّةً ينسبه إلى الملائكة ، لأنّ هذه تعمل ضمن الدائرة التي أرادها الله ، فهو فعل الله ، وفعل هذه المتوسّطات ، ولا تنافي بينهما .
إلى هنا نكون قد أثبتنا أمرين أساسيّين هما :
الأمر الأوّل : أنّ كلّ علّة واجدة لكمال المعلول .
الأمر الثاني : أنّ العلّة للجميع هو الله سبحانه وتعالى .
وعليه فإنّه سبحانه وتعالى واجد لكلّ شيء ، وهو عالم بكلّ شيء قبل الإيجاد ؛ لأنّه هو الذي أراد أن يوجِده ، فلابدّ أن يعلم به .
وأمّا المسألة الثالثة التي أشرنا إليها في صدر البحث فهي القاعدة الفلسفيّة القائلة بأنّ « الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد » ، ففي البرهان الفلسفي ثبت أنّ الله واحد ، وأنّه تعالى بسيط أيضاً ، فإذن لابدّ أنّه لا يصدر