المجرّدة عن المادّة إذا قيست إلى المادّة نفسها فيمكن أن يكون أحد الطرفين قريباً والطرف الآخر بعيداً ، وهو ما يسمّى بالقرب المعنوىّ . ومن هذا القبيل قرب الإنسان وبعده من الله تعالى ، فإنّ الله تعالى قريب من عباده ، لكنّ العبد قد يكون بعيداً عن الله ؛ لذا قال تعالى : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) « 1 » ( وقال تعالى : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) « 2 » ( وقال تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) « 3 » ( وقال تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) « 4 » .
إذاً القرب والبعد من الله تعالى مقولة أخرى تختلف عن البعد والقرب في عالم المادّة .
حقيقة القرب الإلهى
إنّ حقيقة القرب من الله تعالى هو حضور العبد بين يدي الله تعالى بمعنى الطاعة والانقياد وعدم الغفلة عنه تعالى ، وهذا بخلاف الإنسان الذي يكون غافلًا عن الله ، فهو بعيد عنه سبحانه ، كما في قوله تعالى : ( فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) « 5 » أو كما عبّرت زوجة فرعون حينما دعت الله تعالى ) ابْنِ لِى عِنْدَكَ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) « 6 » حيث كان لها معرفة بمقام القرب وعبّرت عن هذا
هامش
( 1 ) الحديد : 4 .
( 2 ) ق : 16 .
( 3 ) الأنفال : 24 .
( 4 ) البقرة : 186 .
( 5 ) القمر : 55 .
( 6 ) التحريم : 11 .