دخل الحارث إلى المتوكل وخبره بما شاهد من برهان قبر الحسين عليه السلام استشاط غيضا
وازداد بغضا لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وأمر - لعنه الله - بقتل الحارث وأمر أن
يشد 1 رجله في حبل ويسحب على وجهه في الأسواق ثم يصلب في مجتمع الناس ،
ليكون عبرة لمن اعتبر ولا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبدا .
وأما زيد المجنون فإنه ازداد حزنه واشتد عزاؤه ، وطال بكاؤه ، وصبر حتى
أنزلوه من الصلب ، وألقوه على مزبلة هناك فجاء إليه زيد فاحتمله إلى دجلة
وغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه ، وبقى ثلاثة أيام لا يفارق قبره وهو يتلو كتاب الله
عنده ، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع صراخا عاليا ، ونوحا شجيا وبكاء عظيما ،
ونساء بكثرة منشرات الشعور مشققات الجيوب مسودات الوجوه ورجالا بكثرة يندبون
بالويل والثبور ، والناس كافة في اضطراب شديد وإذا بجنازة محمولة على أعناق
الرجال وقد نشرت لها الاعلام والرايات ، والناس من حولها أفواجا قد انسدت الطرق
من الرجال والنساء .
قال زيد : فظننت أن المتوكل قد مات ، فتقدمت إلى رجل منهم وقلت له : من
يكون هذا الميت ؟ فقال : هذه جنازة جارية المتوكل وهي جارية سوداء حبشية وكان
اسمها ريحانة ، وكان يحبها حبا شديدا ، ثم إنهم عملوا لها شأنا عظيما ودفنوها في قبر
جديد ، وفرشوا فيه الورد والرياحين ، والمسك والعنبر وبنوا عليها قبة عالية فلما نظر زيد
إلى ذلك ازدادت أشجانه وتصاعدت نيرانه وجعل يلطم وجهه ويمزق أطماره ويحثي
التراب على رأسه وهو يقول : وا ويلاه وا أسفاه عليك يا حسين أتقتل 2 بالطف غريبا
وحيدا ظمآنا شهيدا ، وتسبى نساؤك وبناتك وعيالك ، وتذبح أطفالك ، ولم يبك عليك
أحد من الناس ، وتدفن بغير غسل ولا كفن ، ويحرث بعد ذلك قبرك ليطفئوا نورك ،
وأنت ابن علي المرتضى وابن فاطمة الزهراء ، ويكون هذا الشأن العظيم لموت جارية
سوداء ولم يكن الحزن والبكاء لابن محمد المصطفى صلى الله عليه وآله .
قال : ولم يزل يبكي وينوح حتى غشي عليه والناس كافة ينظرون إليه فمنهم من
هامش
1 - في الأصل : يسئد به .
2 - القتيل / خ .